البائع أخذ العربون ورفض إكمال بيع العقار
ما حق المشتري في القانون العراقي؟
بقلم المحامي/ ايوب حميد
ليس كل من دفع عربون لشراء عقار ثم تراجع البائع يكون قد خسر حقه. في العراق لا يكفي أن يقول البائع بعد استلام العربون إنه غير راغب بإكمال البيع. فالقانون ينظر إلى الاتفاق المكتوب وطبيعة العربون والدليل الموجود بيد المشتري.
العربون في بيع العقار ليس مبلغا عاديا يدفع على سبيل الثقة فقط. قد يكون جزءا من الثمن. وقد يكون مقابلا للعدول. والفرق بين الحالتين مهم جدا. فإذا كان العربون جزءا من الثمن فهذا يعني أن المبلغ دفع ضمن اتفاق بيع جدي. أما إذا اتفق الطرفان على أن العربون جزاء للعدول فهنا تختلف النتيجة بحسب من تراجع عن الاتفاق.
في القانون المدني العراقي يعالج العربون على أساس نية الطرفين وما ورد في الاتفاق. فإذا كان العربون دليلا على تمام العقد فلا يجوز لأحد الطرفين أن يتراجع بإرادته وحده. أما إذا كان العربون مقابلا لحق العدول فإن من دفع العربون يخسره إذا تراجع. ومن قبض العربون يرده مضاعفا إذا كان هو من تراجع. لذلك لا يصح الحكم على كل حالة بنفس الطريقة قبل قراءة الوصل أو المكاتبة.
لكن في بيع العقار توجد قاعدة مهمة يجب أن يعرفها كل مشتر في العراق. دفع العربون لا يجعل المشتري مالكا للعقار. وكتابة ورقة خارجية لا تنقل الملكية. ونقل ملكية العقار لا يتم إلا من خلال دائرة التسجيل العقاري المختصة. لذلك يجب التمييز بين حق المشتري في المطالبة بالعربون أو التعويض وبين انتقال الملكية نفسها.
المشكلة التي تتكرر كثيرا أن المشتري يدفع عربون بعد اتفاق شفهي أو ورقة مختصرة. ثم يفاجأ بأن البائع رفض الذهاب إلى التسجيل العقاري. أو طلب زيادة في السعر. أو باع العقار لشخص آخر. أو ادعى أن الاتفاق لم يكن نهائيا. هنا لا تكون العبرة بالكلام وحده. العبرة بالدليل.
أول سؤال يجب طرحه هو: ماذا كتب في وصل العربون؟
إذا كتب أن البائع استلم مبلغا من المشتري كعربون من ثمن العقار فهذا يقوي موقف المشتري في إثبات وجود اتفاق جدي. وإذا كتب أن العربون يكون جزاء للعدول وأن من يتراجع يتحمل الأثر القانوني فهذا يعطي المشتري أساسا أقوى للمطالبة عند تراجع البائع. أما إذا كانت الورقة غامضة ولا تحتوي على تفاصيل العقار والثمن وموعد التسجيل فقد تصبح الخصومة أصعب.
من الأخطاء الشائعة أن يكتب الطرفان عبارة قصيرة مثل: استلمت عربون عقار. هذه العبارة ضعيفة لأنها لا تكفي وحدها في كثير من الحالات. يجب أن يتضمن الوصل اسم البائع واسم المشتري ورقم العقار والمقاطعة والموقع والثمن الكلي ومقدار العربون وموعد إكمال البيع في التسجيل العقاري ومصير العربون إذا تراجع أحد الطرفين.
إذا أخذ البائع العربون ثم رفض إكمال بيع العقار بلا سبب مشروع فقد يكون للمشتري حق المطالبة برد العربون. وقد يكون له حق المطالبة بالتعويض إذا ثبت الضرر. وقد يكون له حق المطالبة بضعف العربون إذا كان الاتفاق واضحا على أن العربون جزاء للعدول وأن البائع يرده مضاعفا عند تراجعه.
لكن هذا لا يعني أن المشتري يملك العقار بمجرد دفع العربون. حقه هنا يكون غالبا حقا ماليا أو حقا تعاقديا ناشئا عن الاتفاق. أما الملكية فلا تنتقل إلا بالتسجيل الرسمي. ولهذا يجب على المشتري ألا يتعامل مع العربون كأنه سند ملكية. العربون دليل مهم لكنه ليس بديلا عن التسجيل العقاري.
ماذا يفعل المشتري إذا تراجع البائع؟
أولا. يجمع كل الأدلة. وصل العربون. الرسائل. المحادثات. الشهود. صورة سند العقار. رقم العقار. اسم المقاطعة. مقدار الثمن المتفق عليه. وموعد التسجيل إن كان محددا.
ثانيا. يوجه مطالبة واضحة إلى البائع. إما أن يحضر لإكمال إجراءات البيع في دائرة التسجيل العقاري. أو يعيد العربون ويتحمل الأثر القانوني المترتب على تراجعه حسب الاتفاق والضرر.
ثالثا. لا يرفع دعوى عشوائية قبل تحديد التكييف القانوني الصحيح. فقد تكون الدعوى مطالبة برد مبلغ. وقد تكون مطالبة بتعويض. وقد تكون مطالبة بتطبيق شرط العربون. وقد تتداخل معها مسائل أخرى مثل بيع العقار لشخص آخر أو وجود حجز أو رهن أو وكالة غير صحيحة.
كثير من الناس يبحثون عن محامي عقارات ببغداد بعد وقوع المشكلة. لكن الأفضل أن تكون الاستشارة قبل دفع العربون. لأن فحص السند وقراءة القيود وكتابة اتفاق واضح قد تمنع نزاعا طويلا. وفي القضايا العقارية لا يكفي أن تبحث عن أفضل محامي في بغداد من حيث الاسم فقط. المهم أن يكون المحامي قادرا على فهم إجراءات التسجيل العقاري وتمييز طبيعة العربون وصياغة المطالبة بشكل صحيح.
ومن النصائح العملية قبل دفع أي عربون في عقار داخل العراق ألا يدفع المشتري أي مبلغ بلا وصل واضح. وألا يعتمد على الكلام الشفهي. وألا يكتفي بصورة السند دون التأكد من القيود. وألا يسلم العربون لشخص غير مالك أو غير وكيل بوكالة صحيحة تجيز البيع وقبض الثمن.
أما البائع فعليه أن يعرف أن أخذ العربون ليس تصرفا بسيطا. فإذا قبض المال ثم امتنع عن إكمال البيع فقد يتعرض لمطالبة قضائية برد المبلغ أو التعويض أو تطبيق شرط العربون. لذلك يجب ألا يقبض البائع العربون إلا إذا كان جادا في البيع وقادرا على إكمال إجراءات التسجيل.
الخلاصة أن البائع إذا أخذ العربون ورفض إكمال بيع العقار في العراق فإن حق المشتري لا يضيع بمجرد التراجع. لكن قوة هذا الحق تعتمد على قوة الورقة والدليل وصياغة الاتفاق. فالعربون في العقار خطوة قانونية مهمة وليست مجاملة بين طرفين. وكلما كان الاتفاق واضحا من البداية كان طريق المطالبة أقوى وأقصر عند حصول النزاع.