| |

العقد الخارجي لشراء العقار في العراق

ورقة قد تثبت اتفاقا لكنها لا تنقل الملكية

بقلم المحامي/ ايوب حميد

في معاملات العقار داخل العراق هناك جملة تتكرر كثيرا بين الناس: “نكتب عقدا خارجيا الآن ونسجل لاحقا”.
هذه الجملة قد تبدو بسيطة لكنها في الحقيقة من أخطر الجمل في سوق العقارات.

العقد الخارجي لشراء العقار لا يجعل المشتري مالكا للعقار بمجرد التوقيع ودفع الثمن. فالملكية العقارية في العراق لا تستقر قانونيا إلا من خلال التسجيل في دائرة التسجيل العقاري المختصة وفق الأوضاع القانونية المقررة. وقد عالج قانون التسجيل العقاري رقم 43 لسنة 1971 موضوع السجل العقاري والتصرفات العقارية وجعل التسجيل محور الحماية القانونية للحقوق العقارية.

المشكلة أن كثيرا من المشترين يتعاملون مع العقد الخارجي كأنه سند طابو. يدفعون مبالغ كبيرة ويستلمون ورقة موقعة وربما شهودا وربما بصمة وربما نسخة من مستمسكات البائع. ثم يعتقدون أن الأمر انتهى. لكن القانون لا ينظر إلى العقار بهذه البساطة. العقار ليس منقولا عاديا يثبت بيعه بمجرد التسليم. العقار له سجل وله قيود وله حقوق عينية وقد تكون عليه إشارات أو حجوزات أو رهن أو شيوع أو مشاكل إرث أو وكالات قابلة للنقاش.

العقد الخارجي قد يكون دليلا على اتفاق أو تعهد أو تسلم مبلغ أو نية بيع لكنه لا يكفي وحده لنقل ملكية العقار. ولهذا يقع كثير من الناس في نزاعات قاسية بعد سنوات من التوقيع. قد يموت البائع. قد يرفض الورثة التسجيل. قد يظهر حجز على العقار. قد يكون البائع غير مالك لكل السهام. قد توجد وكالة غير صالحة أو منتهية الأثر. وقد يبيع الشخص العقار لأكثر من مشتر أو يدخل المشتري في دعوى طويلة لم يكن يتوقعها.

وهنا يجب التفريق بين أمرين.
الأول هو وجود ورقة بين طرفين تسمى عقدا خارجيا.
والثاني هو انتقال الملكية في السجل العقاري.
الفرق بينهما كبير جدا. الورقة قد تساعدك في المطالبة أو الإثبات ضمن حدودها وظروفها. أما الملكية فلا تصبح مركزا قانونيا مستقرا إلا عندما تسجل أصوليا في دائرة التسجيل العقاري. ويبين قانون التسجيل العقاري أن التسجيل يكتسب شكله النهائي بالمصادقة من جهات التدقيق المختصة حتى لو لم يصدر السند بعد كما نظم أحكام السندات وتسليمها ومطابقتها للسجل.

في بغداد خصوصا تزداد خطورة العقد الخارجي بسبب ارتفاع أسعار العقارات في مناطق مثل الكرادة والجادرية والمنصور واليرموك وزيونة والكرخ والرصافة. فالغلط في شراء سيارة قد يسبب خسارة محدودة نسبيا. أما الغلط في شراء عقار فقد يعني ضياع رأس مال عائلة كاملة أو الدخول في دعاوى تستمر لسنوات.

ولهذا فإن السؤال المهم ليس: هل وقع البائع؟
السؤال الأهم هو: هل يستطيع البائع قانونا أن ينقل الملكية؟
وهل العقار خال من الموانع؟
وهل السند مطابق للواقع؟
وهل السهام واضحة؟
وهل توجد إشارة حجز أو رهن أو دعوى؟
وهل البيع سيتم من المالك الأصلي أم من وكيل؟
وهل الوكالة تسمح بالبيع والقبض والتسجيل؟
وهل توجد موافقات أو التزامات أو ديون أو إشكالات بلدية أو ضريبية؟

هذه الأسئلة لا تقل أهمية عن السعر. بل أحيانا تكون أهم من السعر نفسه. لأن السعر الجيد لا ينفع إذا كان الطريق إلى التسجيل مسدودا.

كثير من الناس يبحثون في Google عن افضل محامي ببغداد أو افضل محامي عقارات بعد وقوع المشكلة. لكن الاختيار الأصح أن تبدأ الاستشارة قبل التوقيع لا بعد النزاع. المحامي المختص بالعقار لا يقرأ الورقة فقط بل يفحص الطريق القانوني الكامل للشراء. من هو المالك؟ ما نوع العقار؟ هل البيع يشمل كل السهام؟ هل توجد قيود؟ هل الوكالة سليمة؟ هل يمكن التسجيل مباشرة؟ وما هو الخطر إذا دفع المشتري الثمن قبل إكمال التسجيل؟

العقد الخارجي ليس دائما بلا قيمة لكنه خطر عندما يتحول إلى بديل عن التسجيل. قيمته القانونية تختلف بحسب مضمونه وطريقة تحريره والأطراف والتوقيعات والمبلغ المدفوع والظروف المحيطة به. لكن الخطر الأكبر أن يظن المشتري أنه امتلك العقار بينما هو في الحقيقة لم يحصل إلا على ورقة قد تحتاج إلى دعوى طويلة حتى تنتج أثرا محدودا.

ومن الأخطاء الشائعة أن يكتب الناس في العقد عبارة “باع وأسقط وتنازل” ثم يطمئنون لهذه الكلمات. العبرة ليست بقوة الألفاظ فقط. العبرة بمدى قابلية التصرف للتسجيل. فقد تكون العبارة قوية والورقة منسقة والشهود موجودين ومع ذلك يبقى المشتري خارج السجل العقاري ولا يستطيع التصرف بالعقار كمالك حقيقي.

الخلاصة العملية بسيطة وواضحة:
لا تدفع الثمن كاملا قبل التأكد من إمكانية التسجيل.
لا تعتمد على العقد الخارجي وحده.
لا تشتر من وكيل قبل تدقيق وكالته وحدودها.
لا تشتر سهاما شائعة قبل فهم أثر الشيوع.
لا تثق بصورة السند فقط دون تدقيق القيود.
ولا تجعل الاستعجال أو رخص السعر سببا لخسارة أكبر.

العقار في العراق لا يشترى بالكلام ولا بالمجاملة ولا بالثقة الشخصية وحدها. العقار يشترى بطريق قانوني واضح يبدأ بالفحص وينتهي بالتسجيل. وما بين البداية والنهاية توجد تفاصيل صغيرة قد تصنع الأمان أو تفتح باب النزاع.

لذلك يبقى العقد الخارجي في شراء العقار ورقة تحتاج إلى حذر. قد تكون خطوة تمهيدية في طريق صحيح وقد تكون بداية مشكلة كبيرة إذا استعملت بديلا عن التسجيل. والفرق بين الحالتين لا يظهر عند التوقيع بل يظهر عند أول نزاع