القسمة القضائية للعقار في العراق عندما لا يتفق الورثة أو الشركاء على البيع
بقلم المحامي ايوب حميد
القسمة القضائية للعقار في العراق هي الطريق القانوني لإنهاء الشيوع عندما لا يتفق الورثة أو الشركاء على القسمة أو البيع. فإذا كان العقار مشتركا بين أكثر من شخص فلا يستطيع أحد الشركاء أن يجبر الباقين على البقاء في الشيوع بلا نهاية إلا إذا وجد نص قانوني أو شرط صحيح يمنع القسمة.
هذه الفكرة تبدو بسيطة لكنها في الواقع من أكثر المشاكل العقارية شيوعا في بغداد والمحافظات. عقار موروث عن الأب. دار يسكنها أحد الورثة. قطعة أرض يرفض أحد الشركاء بيعها. سند عقاري فيه حصص صغيرة. أو ورثة بعضهم يريد البيع وبعضهم يتمسك بالبقاء. هنا لا يكفي الكلام العائلي ولا تنفع الوعود. الحل يبدأ من القانون ومن دعوى إزالة الشيوع.
ما معنى القسمة القضائية للعقار؟
القسمة القضائية تعني أن تنتقل مسألة تقسيم العقار من اتفاق الشركاء الى حكم المحكمة. والسبب أن الشيوع لا يعطي أي شريك جزءا ماديا محددا من العقار قبل القسمة. بل يعطيه حصة شائعة مثل النصف أو الربع أو السهم بحسب السند أو القسام أو سبب التملك.
فالشريك لا يقول هذه الغرفة لي أو هذا الجانب من الأرض لي إلا بعد قسمة صحيحة. وقبل ذلك تكون الحصة قانونية لا مادية. لذلك عندما يحصل خلاف بين الشركاء يكون طريق المحكمة هو الوسيلة التي تنهي هذا الوضع وتحدد هل العقار يقسم عينا أم يباع ويقسم ثمنه.
وقد تناول القانون المدني العراقي أحكام الملكية الشائعة وإزالة الشيوع ضمن المواد الخاصة بالشيوع. كما بين مجلس القضاء الأعلى في شرح منشور أن الملكية الشائعة تعني ملكية الشيء من أكثر من شخص دون أن يتعين لكل منهم نصيب مادي محدد.
الأساس القانوني لدعوى إزالة الشيوع
الأصل في القانون العراقي أن الشريك لا يجبر على البقاء في الشيوع. وهذا ما يقوم عليه حقه في طلب القسمة القضائية. وقد قرر القانون المدني العراقي في المادة 1070 أن لكل شريك أن يطالب بقسمة المال الشائع ما لم يكن مجبرا على البقاء في الشيوع بمقتضى نص أو شرط. وقد أشار مجلس القضاء الأعلى الى هذا الأصل عند بيانه أن القانون أعطى كل شريك الحق في التخلص من حالة الشيوع في أي وقت ما لم يوجد نص أو اتفاق يقضي بخلاف ذلك.
أما المادة 1072 من القانون المدني العراقي فهي الطريق المباشر للدعوى. فقد ورد في نصها أن الشركاء إذا لم يتفقوا على القسمة أو كان بينهم محجور فللشريك الذي يريد الخروج من الشيوع مراجعة محكمة البداءة لإزالته. وهذا يعني أن المحكمة لا تتحرك من تلقاء نفسها بل بناء على طلب شريك له حصة ثابتة في المال الشائع.
أما المادة 1073 من القانون المدني العراقي فتظهر أهميتها عندما يتبين أن العقار غير قابل للقسمة. فقد بينت المصادر القانونية أن المحكمة إذا وجدت المال الشائع غير قابل للقسمة تصدر حكما ببيعه وتقسم الثمن على الشركاء كل بحسب حصته.
متى ترفع دعوى القسمة القضائية؟
ترفع دعوى القسمة القضائية عندما يفشل الاتفاق. فإذا رفض أحد الورثة البيع. أو امتنع أحد الشركاء عن التوقيع. أو تعذر جمع جميع المالكين أمام دائرة التسجيل العقاري. أو كان بين الشركاء محجور. أو ظهر أن بقاء العقار مشتركا يضر ببقية الشركاء. عندها يكون من حق الشريك أن يراجع محكمة البداءة لطلب إزالة الشيوع.
ولا يشترط أن يكون جميع الشركاء موافقين على رفع الدعوى. يكفي أن يكون المدعي شريكا فعليا في العقار وأن يثبت حصته بسند أو قسام أو قيد عقاري أو سبب قانوني معتبر. لكن يجب إدخال جميع الشركاء في الخصومة لأن الحكم يمس حقوقهم جميعا.
وهنا تظهر أهمية المحامي المتخصص في العقار. فالبحث عن افضل محامي عقارات ببغداد لا يعني البحث عن عبارة دعائية. بل يعني البحث عن محام يعرف كيف يقرأ السند والقسام وصورة القيد ويحدد الخصوم الصحيحين قبل رفع الدعوى.
هل كل عقار مشترك يقسم بين الشركاء؟
لا. وهذه من أهم النقاط التي يجب أن يعرفها الناس. القسمة القضائية لا تعني دائما أن تقسم الدار الى غرف أو تقسم الأرض الى مربعات صغيرة. المحكمة تنظر أولا في قابلية العقار للقسمة. فإذا كان العقار قابلا للقسمة من غير ضرر ومن غير مخالفة للضوابط القانونية فقد تقرر القسمة العينية. أما إذا كان غير قابل للقسمة أو كانت القسمة تضر بقيمته أو تخالف الحد الأدنى للإفراز فإن الطريق يكون البيع القضائي وتوزيع الثمن.
وقد أوضح مجلس القضاء الأعلى أن القانون المدني العراقي أخذ بطريقتين. القسمة العينية إذا كان المشاع قابلا للقسمة. وقسمة التصفية بالبيع إذا كان غير قابل للقسمة.
دور الخبراء في دعوى القسمة
في دعاوى العقار لا تكفي رغبة الشريك ولا يكفي القول إن العقار يمكن تقسيمه. المحكمة تحتاج الى صورة قيد العقار والى الكشف والخبرة. الخبير ينظر في المساحة والموقع وطبيعة البناء وعدد الشركاء ومقدار أصغر حصة وإمكانية الإفراز ومدى تأثير التقسيم على قيمة العقار.
فقد تكون الأرض واسعة لكنها لا تقبل القسمة بسبب شكلها أو موقعها أو بسبب الحد الأدنى للإفراز. وقد تكون الدار صغيرة ولا يمكن تقسيمها من دون أن تفقد منفعتها. وقد يكون العقار صالحا للبيع أكثر من القسمة. ولهذا فإن تقرير الخبرة في هذه الدعوى ليس تفصيلا جانبيا بل قد يكون أساس الحكم.
القسمة الرضائية والقسمة القضائية
القسمة الرضائية تحصل عندما يتفق الشركاء جميعا على القسمة ويتجهون الى دائرة التسجيل العقاري لاستكمال الإجراءات. ولا تتم القسمة الرضائية في العقار إلا بالتسجيل في دائرة التسجيل العقاري وفق ما ورد في أحكام المادة 1071 من القانون المدني العراقي.
أما القسمة القضائية فتبدأ عندما يغيب الاتفاق. وهنا لا تكون المسألة بيد الشركاء وحدهم بل بيد المحكمة. والمحكمة تفحص هل يمكن إنهاء الشيوع عينا أم يجب إنهاؤه بيعا. وهذا الفرق مهم جدا لأن بعض الناس يظن أن دعوى إزالة الشيوع تعني البيع دائما. وبعضهم يظن أنها تعني القسمة دائما. والحقيقة أن النتيجة تتبع طبيعة العقار والحصص والقيود القانونية.
قرار مهم من محكمة التمييز
من القرارات المهمة في هذا الموضوع قرار محكمة التمييز الاتحادية رقم 310 لسنة 2015. وقد قررت فيه المحكمة أنه لا يمكن إزالة شيوع العقار قسمة إذا ثبت من صورة قيد العقار أنه غير قابل للقسمة بين الشركاء لأصغر حصة بسبب تعارض القسمة مع مساحة الحد الأدنى المسموح بإفرازها قانونا بمقتضى القرار 940 لسنة 1987. كما بين القرار أن إزالة الشيوع بطريقة قسمة الجمع وفق المادة 217 من قانون التسجيل العقاري رقم 43 لسنة 1971 تتطلب موافقة جميع الشركاء لأنها نوع من أنواع القسمة الرضائية.
أهمية هذا القرار أنه يضع قاعدة عملية واضحة. المحكمة لا تقسم العقار لمجرد أن أحد الشركاء طلب القسمة. بل تنظر في صورة القيد وفي أصغر حصة وفي الحد الأدنى القانوني للإفراز. فإذا كان العقار لا يقبل القسمة فلا يصدر حكم بقسمته بطريقة تخالف القانون. وإذا كانت القسمة من نوع قسمة الجمع فهي تحتاج موافقة جميع الشركاء لأنها قسمة رضائية لا تفرض على من يعارضها.
وهذا القرار يخدم كثيرا من ملفات العقارات الموروثة في بغداد. لأن أغلب النزاعات لا تكون حول أصل الملكية فقط. بل حول إمكانية التقسيم الفعلي. هل يمكن أن يأخذ كل وارث حصة مستقلة؟ هل تسمح مساحة العقار بذلك؟ هل يوافق جميع الشركاء على قسمة الجمع؟ هل الحل الصحيح هو البيع القضائي؟ هذه الأسئلة لا تجاب بالمجاملة بل بالرجوع الى السند والخبرة والقانون.
قرار آخر يؤكد البيع عند تعذر القسمة
كما صدر قرار آخر منشور من مجلس القضاء الأعلى برقم 311 لسنة 2015 جاء فيه أن الحكم بإزالة شيوع العقار بيعا يكون منسجما مع أحكام المواد 1070 و1072 و1073 من القانون المدني العراقي إذا ثبت أن العقار لا يقبل القسمة بين الشركاء لأصغر حصة فيه بسبب تعارض القسمة مع الحد الأدنى المسموح بإفرازه قانونا. وقد أكد القرار أن الشريك لا يجبر على البقاء في الشيوع إلا بمقتضى نص أو شرط أو مانع قانوني أو اتفاقي.
وهذا الاتجاه القضائي مهم لأنه يوازن بين حق الشريك في الخروج من الشيوع وبين احترام القيود الفنية والقانونية التي تمنع القسمة. فلا يبقى الشريك محبوسا في عقار لا يستطيع الانتفاع بحصته. وفي الوقت نفسه لا تجري قسمة شكلية تخلق عقارا مخالفا للضوابط أو ناقص المنفعة.
ماذا يحدث إذا رفض أحد الورثة القسمة أو البيع؟
رفض أحد الورثة لا يوقف الحق في إقامة الدعوى. من حقه أن يحضر ويعترض ويقدم دفوعه. لكن رفضه وحده لا يكفي لإبقاء العقار مشتركا الى الأبد. المحكمة ستبحث المستندات والحصص وقابلية العقار للقسمة. فإذا كان قابلا للقسمة عينا اتجهت الى القسمة. وإذا لم يكن قابلا للقسمة اتجهت الى البيع وتوزيع الثمن.
وفي كثير من الحالات يكون الرفض نابعا من السكن في العقار أو الرغبة في تأجيل البيع أو الخلاف العائلي. لكن المحكمة لا تبني حكمها على الانزعاج الشخصي. بل على الملكية والحصص والقابلية القانونية للقسمة.
ما المستندات المطلوبة عادة؟
قبل رفع الدعوى يجب مراجعة صورة قيد العقار. ويجب فحص السند ومعرفة أسماء المالكين والحصص. وإذا كان العقار موروثا فيجب وجود القسام الشرعي أو ما يثبت انتقال الملكية الى الورثة بحسب نوع العقار. كما يجب التأكد من وجود حجز أو رهن أو إشارة عدم تصرف أو دعوى أخرى قد تؤثر على مسار الملف.
وقد تحتاج الدعوى الى وكالات صحيحة إذا كان بعض الشركاء خارج العراق. وقد تحتاج الى إدخال القاصرين أو الغائبين أو المفقودين وفق الإجراءات القانونية الواجبة. وكل خطأ في الخصومة قد يؤدي الى تأخير الدعوى أو ردها أو نقض الحكم.
هل دعوى القسمة القضائية سريعة؟
لا توجد مدة واحدة لكل الدعاوى. سرعة الدعوى تعتمد على وضوح السند. عدد الشركاء. صحة التبليغات. وجود قاصرين أو محجورين. طبيعة العقار. تقرير الخبرة. الاعتراضات. والطعن. لذلك فإن إعطاء وعد سريع للموكل في هذه القضايا قد يكون غير دقيق.
الأهم من السرعة هو صحة الطريق. لأن دعوى إزالة الشيوع إذا بدأت بخصومة ناقصة أو سند غير مدروس أو طلب غير مناسب فقد تخسر وقتا أطول مما لو تم تحضيرها بصورة صحيحة من البداية.
أخطاء شائعة في قضايا القسمة القضائية
من الأخطاء الشائعة أن يعتقد الشريك أن حصته تعني جزءا محددا من العقار قبل القسمة. ومن الأخطاء أيضا رفع الدعوى دون إدخال جميع الشركاء. أو الاعتماد على اتفاق شفهي بين الورثة. أو تجاهل القيود الموجودة في القيد العقاري. أو الاعتقاد أن المحكمة ستبيع العقار حتما. أو الاعتقاد أنها ستقسمه حتما.
ومن الأخطاء كذلك التعامل مع دعوى إزالة الشيوع كأنها إجراء بسيط. هذه الدعوى تبدو قصيرة في عنوانها لكنها قد تكون معقدة في تفاصيلها. خصوصا إذا كان العقار موروثا أو مشغولا أو مرهونا أو غير قابل للإفراز.
لماذا يحتاج الملف الى قراءة قانونية قبل الدعوى؟
لأن كل عقار له طريقه. دار صغيرة في الكرادة ليست كأرض زراعية في أطراف بغداد. وعقار فيه ورثة قاصرون ليس كعقار بين شركاء بالغين. وعقار عليه رهن ليس كعقار خال من القيود. لذلك فإن الرأي القانوني الصحيح لا يعطى من سؤال عام. بل من صورة القيد والسند والقسام والحصص.
ومن يبحث عن افضل محامي ببغداد في قضايا العقارات عليه أن يركز على من يفحص الملف قبل أن يعطي النتيجة. فالقسمة القضائية ليست مقالا عاما فقط. هي دعوى ترتبط بالتسجيل العقاري ومحكمة البداءة والخبرة والتنفيذ وأحكام القانون المدني.
الخلاصة
القسمة القضائية للعقار في العراق هي وسيلة قانونية لإنهاء الشيوع عندما لا يتفق الورثة أو الشركاء على القسمة أو البيع. أساسها أن الشريك لا يجبر على البقاء في الشيوع إلا بنص أو شرط أو مانع قانوني. فإذا كان العقار قابلا للقسمة أمكن إنهاء الشيوع عينا. وإذا كان غير قابل للقسمة كان الطريق هو البيع القضائي وتوزيع الثمن بحسب الحصص.
وقد أكدت قرارات محكمة التمييز أن قابلية العقار للقسمة لا تحدد بالرغبة بل بصورة القيد وبالحد الأدنى للإفراز وبموافقة الشركاء في القسمة الرضائية. لذلك فإن الطريق الصحيح يبدأ من قراءة السند لا من الخلاف العائلي. ومن فهم القانون لا من الضغط على الورثة. ومن دعوى منظمة تنتهي بحكم قابل
