الحجز الاحتياطي في الدعاوى التجارية العراقية بين حماية الدائن وخطر تعطيل أموال الشركات

بقلم المحامي /ايوب حميد

الحجز الاحتياطي في القانون العراقي إجراء قضائي مؤقت يهدف إلى المحافظة على أموال المدين ضمانا لإمكان تنفيذ الحكم الذي قد يصدر لصالح الدائن ولا يعني صدور القرار بالحجز أن الدين أصبح ثابتا أو أن المحكمة فصلت في أصل النزاع التجاري وإنما يعني أن الأدلة المقدمة قد تكون كافية لاتخاذ إجراء تحفظي ضمن الشروط التي حددها قانون المرافعات المدنية العراقي رقم 83 لسنة 1969 المعدل.

قد تحصل شركة على حكم يلزم شركة أخرى بدفع مئات الملايين من الدنانير ثم تكتشف عند مراجعة دائرة التنفيذ أن الأموال المتاحة لا تكفي للوفاء بالمبلغ المحكوم به وقد تواجه شركة أخرى موقفا معاكسا عندما تجد حساباتها أو بعض أصولها مشمولة بالحجز الاحتياطي بسبب مطالبة مالية لم تحسمها المحكمة بعد وفي الحالتين لا يتعلق الأمر بخلاف قانوني مجرد بل بمصالح تجارية يمكن أن تتأثر قبل صدور الحكم النهائي.

هذه المفارقة تكشف إحدى المشكلات المهمة في الدعاوى التجارية العراقية وهي أن حماية حق الدائن قد تتطلب تدخلا قضائيا مبكرا بينما يمكن أن يؤدي التدخل نفسه إلى تقييد أموال يحتاج إليها المدين لمواصلة نشاطه ولذلك لا يصح النظر إلى الحجز الاحتياطي باعتباره انتصارا للدائن أو إدانة للمدين بل يجب فهمه في حدود وظيفته القانونية.

نظم المشرع العراقي الحجز الاحتياطي في المواد 231 وما بعدها من قانون المرافعات المدنية وأجازت المادة 231 للدائن الذي يحمل سندا رسميا أو عاديا بدين معلوم ومستحق الأداء وغير مقيد بشرط أن يطلب من المحكمة توقيع الحجز على أموال مدينه المنقولة والعقارية سواء كانت موجودة لديه أو لدى شخص ثالث وبالقدر الذي يكفي لوفاء الدين وملحقاته.

ويتضح من هذا النص أن الحجز ليس إجراء مفتوحا على جميع أموال المدين دون حدود فالمشرع ربطه بدين تتوافر فيه شروط محددة كما قيد نطاقه بالمقدار اللازم لتأمين الوفاء وهذه المسألة تكتسب أهمية خاصة في المنازعات بين الشركات لأن قيمة الأصول التي يشملها الحجز قد تتجاوز أحيانا قيمة المطالبة إذا لم يراع تحديد الأموال المطلوبة بصورة دقيقة.

ولم يشترط القانون وجود سند رسمي في جميع الحالات إذ أجازت الفقرة الثانية من المادة 231 طلب الحجز عند تقديم أوراق تتضمن إقرارا كتابيا ترى المحكمة كفايته كما أجازت الفقرة الثالثة الاستناد إلى الشهادة إذا كانت الدعوى من الدعاوى التي يجوز إثباتها بهذه الوسيلة وهو ما يمنح المحكمة مجالا لتقدير الأدلة دون أن يجعل مجرد الادعاء بوجود دين سببا كافيا لفرض الحجز.

وتظهر أهمية هذه الأحكام في عقود التجهيز والمقاولات والخدمات التي تعتمد عليها الشركات العراقية في تعاملاتها اليومية فقد ينشأ الدين عن عقد موقع بين الطرفين أو عن محاضر استلام أو مراسلات تتضمن إقرارا بالمبلغ المستحق وقد يقدم أحد الأطراف فواتير وكشوف حساب بينما ينازع الطرف الآخر في صحة المطالبة أو مقدارها وهنا تصبح طبيعة المستندات ومضمونها أكثر أهمية من عددها.

ولنفترض أن شركة تعمل في بغداد تعاقدت مع شركة أخرى على تجهيز معدات بقيمة خمسمائة مليون دينار وبعد تنفيذ جانب من العقد نشأ خلاف بشأن مبلغ مائتي مليون دينار تدعي الشركة المجهزة استحقاقه وقدمت إلى المحكمة عقد التجهيز ومحاضر الاستلام والمراسلات المتبادلة بين الطرفين بينما تتمسك الشركة المشترية بوجود نواقص في التجهيز وتطالب بخصم مبالغ من القيمة المتفق عليها.

في هذه الحالة يمكن أن يكون طلب الحجز الاحتياطي جزءا من الإجراءات التي تتخذها الشركة الدائنة لحماية مطالبتها إذا توافرت شروطه القانونية لكن قبول المحكمة للطلب لا يعني أنها اقتنعت نهائيا بصحة جميع المبالغ المطالب بها ولا يمنع الشركة المدينة من إثبات اعتراضاتها المتعلقة بتنفيذ العقد أو استحقاق الدفعات.

وهنا يجب التمييز بين الأدلة التي تكفي لاتخاذ إجراء تحفظي وبين الأدلة اللازمة لإصدار حكم في أصل الحق فقد تكون المستندات كافية للمحافظة على الأموال خلال فترة النزاع دون أن تكون كافية وحدها لحسم المسؤولية العقدية أو تحديد المبلغ النهائي المستحق وهذا التمييز ضروري حتى لا يتحول القرار الوقتي إلى حكم مبكر على أحد طرفي العلاقة التجارية.

وأعطت المادة 233 من قانون المرافعات المدنية المحكمة سلطة إجابة طلب الحجز أو رفضه بحسب تقديرها لكفاية الأدلة المقدمة وألزمتها بالفصل في الطلب في اليوم التالي لتقديمه على الأكثر وهذه السرعة التشريعية مفهومة لأن الإجراء التحفظي قد يفقد فائدته إذا تأخر إلى مرحلة يصبح فيها المال المطلوب حجزه خارج نطاق الضمان المتاح للدائن.

لكن سرعة إصدار القرار لا تقلل من أهمية فحص الأدلة فالآثار الاقتصادية للحجز قد تبدأ بمجرد تنفيذه وقبل أن تناقش المحكمة جميع التفاصيل المتعلقة بالدعوى الأصلية ولهذا فإن تقدير كفاية المستندات ليس مسألة شكلية بل هو جزء أساسي من الضمانات التي تحمي الطرفين.

ومن المسائل التي ينبغي الانتباه إليها أن المادة 236 أجازت طلب الحجز الاحتياطي قبل إقامة الدعوى أو مع عريضتها أو أثناء السير فيها أو بعد صدور الحكم وهذا يعني أن الدائن ليس ملزما بانتظار انتهاء المرافعات حتى يفكر في حماية أموال المدين بل يستطيع دراسة إمكانية اتخاذ الإجراء في المرحلة التي تسمح بها ظروف المطالبة وأدلتها.

غير أن الحجز الذي يسبق إقامة الدعوى يخضع لمواعيد لا يجوز إهمالها فقد أوجبت المادة 237 على طالب الحجز إقامة الدعوى لتأييد حقه بالحجز خلال ثمانية أيام من تاريخ تبليغ المدين أو الشخص المحجوز تحت يده بأمر الحجز ورتبت على عدم إقامة الدعوى خلال هذه المدة إمكانية إبطال الحجز بناء على طلب المحجوز على أمواله أو الشخص المحجوز تحت يده كما تضمنت أحكاما تتعلق ببطلان الحجز بعد مضي ثلاثة أشهر في الحالات التي حددتها.

وهذه المواعيد تكشف أن الحجز الاحتياطي ليس قرارا يحصل عليه الدائن ثم يتركه قائما دون متابعة فالمحافظة على الأموال مرتبطة بإجراءات قضائية لاحقة ومن الممكن أن يخسر الدائن الحماية التي حصل عليها بسبب إهمال إقامة الدعوى أو متابعة التبليغات رغم أن أصل مطالبته قد يكون قائما على أسباب قانونية صحيحة.

وفي المقابل فإن صدور القرار لا يسلب المدين حقه في الاعتراض فقد نظمت المادة 240 من قانون المرافعات المدنية التظلم من أمر الحجز وأجازته للمدين المحجوز على أمواله وللشخص الثالث المحجوز تحت يده كما شمل النص الدائن الذي رفضت المحكمة طلبه ويكون التظلم وفق الأحكام المقررة في المادة ومن بينها تقديم عريضة خلال ثلاثة أيام من التبليغ إلى المحكمة التي أصدرت الأمر أو إبداء التظلم في الجلسة المحددة لنظر الدعوى.

وقد يستند التظلم إلى عدم توافر شروط الدين أو عدم كفاية الأدلة أو شمول الحجز أموالا لا تعود إلى المدين وقد يتعلق بمقدار الحجز إذا تجاوز الحدود اللازمة لتأمين المطالبة ولا يلزم أن تكون جميع هذه الأسباب مرتبطة بإنكار الدين نفسه لأن الاعتراض على مشروعية الحجز يختلف عن الدفاع في أصل الدعوى التجارية.

فقد تقر شركة بأنها مدينة بمبلغ معين لكنها تنازع في حجز أموال تزيد قيمتها كثيرا على الدين وقد تقر بوجود عقد تجاري لكنها تنكر استحقاق المبلغ المطالب به بسبب إخلال الطرف الآخر بالتزاماته وفي الحالتين لا يصح اختزال النزاع في مجرد وجود عقد أو توقيع بين الشركتين.

ومن أكثر الجوانب التي تستحق المناقشة مسألة التناسب بين مبلغ الدين وقيمة الأموال المحجوزة فالمادة 231 لم تمنح الدائن الحق في تقييد جميع أموال المدين على سبيل الاحتياط المطلق وإنما ربطت الحجز بالقدر الكافي لوفاء الدين وملحقاته وهذا القيد ينبغي أن يحضر عند تقديم الطلب وعند الاعتراض عليه وعند تقدير نطاق الأموال التي يشملها القرار.

في النشاط التجاري لا تكون الأموال مجرد ممتلكات تحتفظ بها الشركة بل هي أدوات تستخدم لتوليد الإيرادات وتنفيذ العقود وسداد الالتزامات فقد تعتمد شركة مقاولات على مستحقات مالية لدى جهة متعاقدة معها لشراء المواد اللازمة لمشروع آخر وقد تحتاج شركة تجهيز إلى أرصدتها المصرفية لدفع أجور الموردين وقد يؤدي تقييد هذه الأموال إلى اضطراب يتجاوز حدود العلاقة بين الدائن والمدين.

لكن القول إن الحجز قد يضر بالنشاط التجاري لا يكفي وحده لمنعه فالشركة الدائنة تمارس نشاطا اقتصاديا أيضا وقد يؤدي امتناع مدينها عن الوفاء إلى تعثرها في تسديد ديونها والتزاماتها ولذلك لا يمكن حماية استمرارية شركة على حساب حرمان شركة أخرى من الوسائل التي أتاحها القانون للمحافظة على حقوقها.

المشكلة الحقيقية لا تكمن في وجود الحجز الاحتياطي بل في استعماله دون تقدير كاف للضرورة القانونية وحدودها فهناك فرق بين الحجز على أموال تكفي لضمان مطالبة جدية وبين محاولة شل النشاط المالي للشركة المدينة لفرض تسوية سريعة في نزاع ما زالت المحكمة تنظر فيه.

ولعل هذا هو الجانب الذي يحتاج إلى قدر أكبر من الانتباه في إدارة الدعاوى التجارية أمام محاكم البداءة في بغداد وبقية المحافظات العراقية فاختيار المال المطلوب حجزه ليس تفصيلا إجرائيا منفصلا عن استراتيجية التقاضي وإنما قرار له آثار قانونية واقتصادية قد تنعكس على الطرفين طوال مدة النزاع.

وقد وضع المشرع ضمانة مالية للحد من الأضرار المحتملة للحجز الاحتياطي إذ أوجبت المادة 234 تقديم كفالة رسمية أو تأمينات نقدية مقدارها عشرة في المائة من قيمة الدين المطالب به أو تقديم عقار تتوافر فيه القيمة المحددة قانونا ضمانا لما قد يترتب على الحجز من ضرر إذا ظهر أن طالبه غير محق.

ومن الخطأ اعتبار هذه الكفالة رسما قضائيا أو مبلغا يدفع للحصول على أفضلية في استصدار القرار فهي ضمان يرتبط بالمسؤولية عن الضرر المحتمل من الحجز غير المحق ولا تعفي طالب الحجز من ضرورة تقديم الأدلة ولا تحول دون حق المحجوز عليه في سلوك الطرق القانونية للمطالبة بالتعويض عندما تتوافر شروطه.

وقد قررت المادة 235 إعفاء طالب الحجز من تقديم الكفالة أو التأمينات إذا استند طلبه إلى سند رسمي منظم من الكاتب العدل أو إلى حكم قضائي سواء اكتسب الحكم درجة البتات أم لم يكتسبها وهذا الاستثناء يبين أهمية التفرقة بين أنواع السندات عند إعداد الطلب.

فالعقد التجاري العادي لا يصبح سندا رسميا لمجرد توقيع مديرين مفوضين عليه كما أن الفاتورة أو كشف الحساب لا يكتسبان الصفة الرسمية بسبب ارتفاع قيمتهما وقد تكون لهذه المستندات قوة في الإثبات لكنها لا تؤدي بالضرورة إلى الإعفاء من الضمان الذي تطلبه القانون.

وتزداد المسألة تعقيدا عندما يطلب الدائن الحجز على أموال الشركة الموجودة لدى الغير فقد تكون هناك مستحقات تعود إلى المدين في ذمة شركة أخرى أو مبالغ لدى جهة متعاقدة معه أو أموال مودعة لدى مؤسسة مالية وحين يصدر أمر الحجز يصبح الشخص الثالث ملزما بمراعاة الآثار القانونية للإجراء رغم أنه ليس طرفا في أصل المطالبة.

وقد تناولت المادة 241 التزامات الشخص الثالث الذي يقر بوجود أموال تعود إلى المدين تحت يده وأوجبت عليه المحافظة عليها وعدم تسليمها إلى المدين إلى أن يطلب تسليمها من المحكمة أو دائرة التنفيذ أو يتخذ بشأنها الإجراء الذي يسمح به القانون بينما عالجت المادة 243 حالات إنكار وجود الأموال أو الادعاء بانتقال ملكيتها أو التصرف فيها قبل الحجز وأثر سكوت الشخص الثالث عن تقديم البيان المطلوب.

كما قررت المادة 246 مسؤولية الشخص الثالث في الحالات التي يعيد فيها الأموال المحجوزة إلى المدين أو يسلمها إلى غيره أو يمتنع عن تسليمها بالمخالفة للأحكام القانونية بعد ثبوت عائديتها للمدين وهو تنظيم يهدف إلى منع فقدان الحجز لفاعليته بمجرد وجود المال خارج الحيازة المباشرة للمدين.

لكن وجود أموال لدى شخص ثالث لا يعني أن جميع الحقوق المرتبطة بها تختفي لمصلحة الدائن الحاجز فقد أكدت المادة 247 أن الحجز على أموال المدين تحت يد الغير لا يؤثر في الحقوق المترتبة بين المدين والشخص الثالث على تلك الأموال وهذا الحكم مهم في المعاملات التجارية التي تتداخل فيها الديون المتقابلة والالتزامات الناشئة عن عقود مستقلة.

وقد تكون الجهة المحجوز تحت يدها مدينة للشركة بمبالغ معينة لكنها تتمسك في الوقت نفسه بحقوق ناشئة عن العلاقة التعاقدية معها ومن غير المقبول قانونا أن يؤدي مجرد صدور الحجز إلى تجاهل هذه الحقوق أو افتراض أن كل مبلغ لدى الشخص الثالث أصبح مستحقا بصورة نهائية للدائن الحاجز.

كما أن حق الدائن في طلب الحجز لا يمتد إلى الأموال التي استثناها القانون من الحجز فقد حددت المادة 248 من قانون المرافعات المدنية أموالا لا يجوز حجزها أو بيعها لاقتضاء الدين سواء كان الحجز احتياطيا أو تنفيذيا وفقا للتفصيل الوارد فيها ولذلك فإن التحقق من الطبيعة القانونية للمال يسبق البحث في جدوى الحجز عليه مع مراعاة أن بعض الاستثناءات تتصل بطبيعة المدين أو المال ولا تنطبق بالضرورة على أموال الشركات التجارية.

ومن المسائل التي كثيرا ما تثار بعد انتهاء الدعوى مسؤولية طالب الحجز عن الأضرار التي أصابت المحجوز عليه فقد قررت المادة 244 تأييد الحجز عند ثبوت الدعوى ورفعه عند ردها أو إبطاله مع مراعاة الأحكام المتعلقة باكتساب الحكم الدرجة القانونية اللازمة لتنفيذ رفع الحجز كما أجازت للمحجوز عليه المطالبة بالتعويض عن الضرر الذي لحقه من توقيع الحجز في حالات رفعه أو إبطاله.

والتعويض هنا ليس نتيجة تلقائية لكل حجز ينتهي بالرفع فالشركة التي تدعي تعرضها لخسائر بسبب تجميد أموالها تحتاج إلى إثبات الضرر وعلاقته بالحجز والأساس القانوني للمسؤولية وقد يتمثل الضرر في تكاليف إضافية تحملتها أو في تعطل التزام تعاقدي أو في خسارة اقتصادية يمكن إثباتها بأدلة معتبرة وليس بمجرد التقديرات التي تقدمها الشركة عن أرباح كانت تتوقع تحقيقها.

وقد تدعي شركة أن الحجز على مستحقاتها لدى أحد المتعاقدين منعها من شراء مواد كان يفترض استخدامها في مشروع معين وقد تدعي أخرى أنها اضطرت إلى الحصول على تمويل إضافي بسبب تقييد أموالها لكن هذه الوقائع لا تكفي بذاتها للحكم بالتعويض دون بحث المستندات والسببية ومدى تحقق الضرر وتحديد ما إذا كان منسوبا إلى الحجز وفقا للقانون.

وفي الجانب المقابل لا يخلو موقف الدائن من المخاطر إذا أهمل دراسة الحجز الاحتياطي في الوقت المناسب فهناك دعاوى تستغرق مراحل متعددة من المرافعة والطعن وقد تتغير خلالها الملاءة المالية للمدين أو طبيعة أصوله وعند صدور الحكم قد يجد الدائن نفسه أمام مشكلة أشد صعوبة من إثبات الدين وهي العثور على أموال يمكن التنفيذ عليها.

لهذا فإن المحامي الذي يتولى دعوى مطالبة تجارية لا يكفيه أن يدرس العقد والفواتير ووسائل الإثبات ثم ينتظر الحكم وإنما ينبغي أن ينظر أيضا في إمكانية المحافظة على الأموال التي يمكن أن تكون محلا للتنفيذ إذا صدر الحكم لمصلحة موكله لأن القيمة العملية للحكم لا تقاس بصحة أسبابه القانونية وحدها بل بإمكان استيفاء الحق الذي قضى به.

وفي المقابل فإن التوسع في طلب الحجز على جميع الأصول المتاحة دون فحص كفاية المستندات ومقدار الدين وطبيعة الأموال قد يفتح نزاعات إضافية بشأن مشروعية الحجز والتعويض عن آثاره وقد تتحول الوسيلة التي أراد بها الدائن حماية حقه إلى عبء قانوني ومالي يضاف إلى أصل الدعوى.

والواقع أن بعض المنازعات التجارية لا تنشأ من إنكار الدين بصورة مطلقة وإنما من الاختلاف على طريقة احتسابه أو موعد استحقاقه أو مدى تنفيذ الالتزامات المقابلة وقد يكون الخلاف على جزء محدود من قيمة العقد بينما تستمر العلاقة التجارية بين الطرفين في مشاريع أخرى وهذا الواقع يفرض قدرا من الدقة عند تحديد موضوع المطالبة ونطاق الأموال المطلوب حجزها.

فالحجز الاحتياطي ليس بديلا عن المطالبة القضائية ولا وسيلة مستقلة لمعاقبة الشركة التي تتأخر في الوفاء كما لا ينبغي أن يستعمل لمجرد رفع الضغط التفاوضي على الطرف الآخر والغاية التي أجازه القانون من أجلها واضحة وهي المحافظة على الأموال التي قد يحتاج إليها الدائن عند التنفيذ إذا ثبت حقه بحكم قضائي.

ومن وجهة نظري فإن حسن استعمال الحجز الاحتياطي في المنازعات التجارية يقاس بمدى احترام التوازن بين مصلحة الدائن ومصلحة المدين وليس بمجرد نجاح طالب الحجز في الحصول على القرار فالدائن الذي يطلب حجزا يتناسب مع دينه ويستند إلى أدلة جدية ويستكمل إجراءاته في المواعيد القانونية يكون أقرب إلى الغاية التي قصدها المشرع من الدائن الذي ينظر إلى الحجز باعتباره أداة لإرباك خصمه اقتصاديا.

وفي الوقت نفسه لا يمكن قبول أن تتحول حماية النشاط التجاري إلى حجة تمنع الدائنين من استعمال حقوقهم فالشركات لا تستمر بالاعتماد على حرية التصرف بأموالها وحدها وإنما تحتاج أيضا إلى الثقة في العقود وإمكان تحصيل المستحقات وتنفيذ الأحكام القضائية وإذا فقد الدائن هذه الضمانات أصبحت المعاملات التجارية نفسها أكثر عرضة للمخاطر.

إن أهمية الحجز الاحتياطي في القانون العراقي لا تقتصر على منع التصرف بأموال المدين بل تمتد إلى حماية الثقة في التعاملات التجارية من دون التضحية بالضمانات القانونية للطرف الآخر فالقانون الذي يسمح بالمحافظة على المال قبل صدور الحكم هو نفسه الذي يشترط كفاية الأدلة ويقرر الضمان المالي ويجيز التظلم ويمنع تجاوز حدود الحجز ويفتح باب المطالبة بالتعويض عند توافر موجباته.

ولهذا فإن السؤال الأهم في الدعاوى التجارية ليس ما إذا كان الحجز الاحتياطي مفيدا للدائن أو ضارا بالمدين بصورة مطلقة وإنما ما إذا كانت شروطه متوافرة وما إذا كان نطاقه متناسبا مع الحق المراد حمايته وما إذا كانت آثاره قد بقيت ضمن الحدود التي رسمها القانون.

فالعدالة التجارية لا تتحقق بحماية أموال المدين من كل قيد ولا بإطلاق يد الدائن في الحجز كلما نشأ خلاف على تنفيذ عقد وإنما تتحقق عندما يكون الإجراء التحفظي وسيلة لحماية حق قابل للإثبات لا وسيلة لفرض نتيجة النزاع قبل الفصل فيه.

وقد يكون الحجز الاحتياطي في دعوى تجارية عراقية هو الإجراء الذي يمنع ضياع حق مالي كبير وقد يكون في دعوى أخرى سببا في تعطيل أموال شركة دون مبرر كاف وبين الحالتين تظهر مسؤولية المحكمة في تقدير الأدلة ومسؤولية المحامي في اختيار الإجراء المناسب ومسؤولية أطراف العلاقة التجارية في احترام الحدود التي وضعها القانون.

وفي النهاية تبقى قيمة الحجز الاحتياطي مرتبطة بالغاية التي شرع من أجلها وهي حماية إمكانية تنفيذ الحكم لا صناعة ضغط اقتصادي على المدين فالحكم الذي يتعذر تنفيذه قد يفقد كثيرا من قيمته العملية لكن الحجز الذي يتجاوز ضرورته قد يلحق ضررا بمشروع اقتصادي قبل أن تتضح حقيقة المديونية وبين ضياع الحق وتعطيل المال يجب أن يبقى القانون هو الحد الفاصل.