حجية المراسلات والعقود الإلكترونية في القانون العراقي: متى تصبح رسائل الشركات دليلا ملزما أمام القضاء؟

المحامي/ ايوب حميد

المراسلات الإلكترونية في القانون العراقي قد تثبت التزامات تجارية بين الشركات إذا أمكن التحقق من مصدرها وسلامة محتواها ودلالتها على الاتفاق لكن مجرد ظهور رسالة واتساب أو بريد إلكتروني على الشاشة لا يجعلها عقدا ملزما بذاتها فهناك فرق بين صحة الرسالة وصحة التعاقد وحجية المستند أمام المحكمة.

في التعاملات اليومية قد ترسل شركة عرضا لتجهيز مواد بملايين الدنانير وتتلقى موافقة من موظف في الشركة الأخرى ثم تبدأ بتوريد البضاعة دون توقيع عقد ورقي وعندما يحين موعد الدفع يتغير الموقف وتدفع الشركة المشترية بأن ما جرى لم يكن أكثر من تفاوض أو أن الموظف لا يملك صلاحية التعاقد.

هنا لا تكمن المشكلة في الهاتف أو الحاسوب وإنما في السؤال عمن التزم وبماذا التزم وهل ثبتت إرادته بصورة تسمح للقضاء بإلزامه فالوسيلة الرقمية تنقل الكلمات بسرعة لكنها لا تمنح كل كلمة أثرا تعاقديا.

وقد نظم قانون التوقيع الإلكتروني والمعاملات الإلكترونية العراقي رقم 78 لسنة 2012 حجية المستندات والعقود الإلكترونية وأجازت المادة 18 حصول الإيجاب والقبول إلكترونيا ولذلك لا يكون غياب العقد الورقي سببا كافيا لإنكار كل اتفاق تجاري جرى بوسيلة رقمية.

لكن الاتفاق لا ينعقد لمجرد تبادل الرسائل فقد يكون العرض معلقا على موافقة المدير المفوض أو تتضمن الإجابة تعديلا في السعر أو موعد التسليم وعندئذ ينبغي بحث ما إذا كانت المراسلات قد وصلت إلى قبول نهائي أم ظلت في حدود التفاوض.

ولنفترض أن شركة تجهيز في بغداد أرسلت عرضا يتضمن كمية المعدات والثمن وموعد التسليم ثم تلقت رسالة تقول إن الأسعار مناسبة وسنرفع الطلب للإدارة لا يصح مساواة هذه العبارة بقبول نهائي لمجرد أنها جاءت من البريد الرسمي للشركة.

أما إذا تضمنت الرسائل موافقة واضحة صادرة ممن يملك الصلاحية وتبعتها طلبات استلام وتنفيذ فعلي فقد تشكل سلسلة المراسلات والتصرفات أدلة مهمة على العلاقة التعاقدية ويظل تقدير أثرها مرتبطا بظروف النزاع وشروط القانون.

وقد منحت المادة 13 من قانون التوقيع الإلكتروني المستندات والكتابة والعقود الإلكترونية حجية مثيلاتها الورقية عند توافر شروط الحفظ والاسترجاع وسلامة البيانات وإمكان تحديد منشئ المعلومات ومتسلمها وتوقيت إرسالها وتسلمها ولذلك فإن الاحتفاظ بلقطة شاشة وحدها قد لا يكفي لإثبات كل هذه العناصر.

وتزداد المسألة تعقيدا عندما ينكر أحد الأطراف صدور الرسالة عنه فقد يحمل الحساب اسم الشركة لكنه يستخدم من عدة موظفين أو قد يتعرض للاختراق ولهذا لا بد من التمييز بين إثبات أن الرسالة خرجت من حساب معين وإثبات أن صاحب الحساب أو ممثله المخول وافق فعلا على الالتزام.

وقد تناولت المادة 18 نسبة المستندات الإلكترونية إلى الموقع ومن ينوب عنه وأثر استعمال الأنظمة المتفق عليها للتحقق من المصدر وهي أحكام تجعل صلاحيات المستخدمين وقنوات المراسلة المعتمدة ذات أهمية لا تقل عن نص الرسالة نفسها.

أما التوقيع الإلكتروني فله نظام خاص إذ ربطت المادتان 4 و5 مساواته بالتوقيع الخطي بشروط منها اعتماده من جهة التصديق وارتباطه بالموقع وخضوع وسيلته لسيطرته وإمكان كشف التعديل ولا تصبح صورة التوقيع الملصقة داخل ملف توقيعا معتمدا لمجرد تشابه شكلها مع التوقيع اليدوي.

وفي المقابل لا يعني غياب توقيع إلكتروني معتمد أن كل رسالة بلا قيمة فالمراسلات قد تناقش ضمن بقية الأدلة القانونية وقد أجازت المادة 13 إثبات صحة المستند الإلكتروني بطرق الإثبات المقررة قانونا كما سمحت المادة 104 من قانون الإثبات العراقي رقم 107 لسنة 1979 للقاضي بالاستفادة من وسائل التقدم العلمي في استنباط القرائن القضائية.

لكن الفحص الفني لا يحسم النزاع كله فقد يؤكد الخبير سلامة ملف إلكتروني وصدوره من جهاز معين ثم تبقى أمام المحكمة مسألة مختلفة وهي ما إذا كان محتواه يشكل قبولا تعاقديا ملزما وما إذا كان المرسل مخولا بالتصرف باسم الشركة.

ومن الأخطاء المتكررة تقديم رسالة واحدة بعد اقتطاعها من سلسلة طويلة فقد تكون الموافقة مشروطة بفحص البضاعة أو يكون السعر قد عدل في رسالة لاحقة ولهذا فإن قراءة المراسلات كاملة أكثر عدالة من بناء الحكم على عبارة منفصلة عن سياقها.

وقد نظمت المادة 14 شروط اكتساب الصورة المنسوخة عن المستند الإلكتروني صفة النسخة الأصلية وهو ما يفسر أهمية المحافظة على الملفات والسجلات الأصلية بدلا من الاكتفاء بطباعات أو صور يصعب التحقق من مطابقتها.

وتظهر أهمية الوقت أيضا عند اختلاف الأطراف بشأن وصول الموافقة أو إشعار الاعتراض على البضاعة فقد عالجت المادة 20 توقيت إرسال المستند الإلكتروني وتسلمه وفق نظام المعلومات المستخدم والاتفاق بين الطرفين ولا يكفي دائما الاستناد إلى الساعة الظاهرة على هاتف المرسل.

ولا يجوز تعميم هذه الأحكام على كل تصرف فقد استثنت المادة 3 معاملات تتعلق بالتصرف في الأموال غير المنقولة والشكلية التي يشترطها القانون والتوثيق لدى الكاتب العدل مع الاستثناء الخاص بإيجار الأموال غير المنقولة ولذلك لا تنقل رسائل البيع الإلكترونية ملكية العقار دون التسجيل القانوني.

ومن وجهة نظري فإن مشكلة الشركات العراقية ليست نقص الرسائل بل كثرتها دون نظام واضح فمن السهل إرسال كلمة موافق ومن الأصعب تحديد ما إذا كانت تعني اعتماد السعر أو تنفيذ الطلب أو مجرد إبداء الرأي وقد يتحول هذا الغموض إلى دعوى تجارية تستغرق وقتا أطول من الصفقة نفسها.

والحل لا يحتاج دائما إلى إجراءات معقدة بل إلى تحديد البريد المعتمد للإشعارات والأشخاص المخولين بإصدار طلبات الشراء والموافقات وطريقة حفظ المراسلات وسجلاتها وبيان ما إذا كانت التعديلات تحتاج إلى موافقة المدير المفوض.

كما أن التنظيم الداخلي لا يعفي الشركة تلقائيا من كل تصرف صدر عبر القنوات التي اعتمدتها أمام المتعاملين معها فالمسؤولية تحتاج إلى فحص الاتفاقات والصلاحيات وسلوك الطرفين ومدى مشروعية اعتماد الغير على الرسائل.

إن حجية رسائل واتساب والبريد الإلكتروني في الدعاوى التجارية العراقية ليست مسألة قبول التكنولوجيا أو رفضها بل مسألة إثبات الإرادة وسلامة الدليل وحدود السلطة في التعاقد فقد تثبت رسالة واحدة حقا مهما وقد تكون مئات الرسائل مجرد مفاوضات لم تنتج عقدا.

والنتيجة أن العقد الإلكتروني يمكن أن يكون ملزما أمام القضاء العراقي دون محرر ورقي مستقل في المعاملات التي يشملها القانون إذا ثبت انعقاده واستيفاء شروطه أما قوة المراسلات فلا تأتي من التطبيق الذي أرسلت عبره وإنما من القدرة على إثبات مصدرها ومضمونها وأثرها القانوني.