|

مو “سحر” ولا خيال… هذا “احتيال بالتنويم المغناطيسي”! قرار قضائي يهزّ مفهوم الخداع في العراق

المحامي/ايوب حميد

تخيّل أن شخصاً لا يحتاج مسدس… ولا تهديد… ولا حتى خطة معقدة. يكفي أن يقترب منك بهدوء، يتكلم بثقة، يزرع في رأسك فكرة واحدة فقط، ثم تجد نفسك بعد دقائق قد سلّمته مالك ومصوغاتك الذهبية بيدك… وأنت مقتنع أنك تتصرف بشكل طبيعي!
هذا ليس مشهداً من فيلم، ولا قصة من قصص “السحرة”، بل واقعة قضائية عراقية حقيقية، تناولها قرار صادر من محكمة استئناف بابل/الهيئة التمييزية، يؤكد أن الجريمة قد ترتكب أحياناً بأخطر سلاح ممكن: العقل نفسه.

نحن اليوم أمام نوع من الاحتيال أصبح الناس تبحث عنه كثيراً في محركات البحث: الاحتيال بالتنويم المغناطيسي… هل هو ممكن فعلاً؟ كيف يثبت في المحكمة؟ وهل يعقل أن القانون العراقي يتعامل مع هذه الحيلة وكأنها مجرد “كلمة حلوة” أو “إقناع زائد”؟
القرار الذي أمامنا يفتح باباً صادماً ومؤثراً: عندما يتحول التنويم المغناطيسي من “علاج نفسي” إلى وسيلة خداع وسلب أموال.

الملفت في مضمون هذا القرار أنه لا يتحدث عن احتيال تقليدي يعتمد فقط على كذب أو ورقة مزورة، بل عن احتيال من نوع خاص، احتيال يشتغل على نقطة ضعف بشرية عميقة: قابلية الإنسان للتأثر بالإيحاء.
فالقضية تدور حول مجنى عليها تم خداعها عبر إيهامها بعملية تداول أو تبديل عملة، وبحسب ما تثبته المحكمة فإن المتهم لم يكتف بالإيهام، وإنما استخدم معها التنويم المغناطيسي كأداة مباشرة للوصول إلى الهدف الحقيقي: الاستيلاء على المال والمخشلات الذهبية.

هنا تبدأ الحكاية التي تجعل أي قارئ يتوقف ويسأل نفسه: إذا كان الشخص قد انخدع بهذه الطريقة، فكم شخص آخر ربما تعرض لنفس الأسلوب ولم يجرؤ على الكلام؟ وكم ضحية قد تم إسكاتها بجملة واحدة: “انتي مخدوعة… يمكن كنتِ متوهمة”؟
لكن هذا القرار القضائي لم يعامل الواقعة بهذا الاستسهال، بل قرأها كما يجب أن تُقرأ: جريمة احتيال مكتملة الأركان.

ما الذي فعلته المحكمة تحديداً؟
بحسب مضمون القرار، فإن محكمة جنح القاسم أصدرت حكمها بإدانة المتهم، وفرضت عليه الحبس الشديد لمدة ثلاث سنوات وفق أحكام المادة (456/1/1) من قانون العقوبات العراقي، مع احتساب مدة توقيفه. ثم قام وكيل المميز (أي وكيل المتهم) بالطعن بهذا الحكم أمام محكمة الاستئناف بصفتها التمييزية، أملاً بإلغاء الإدانة أو تخفيفها.

لكن المفاجأة جاءت هنا: محكمة استئناف بابل/الهيئة التمييزية لم تتعامل مع الطعن كفرصة للشك، بل تعاملت معه كفرصة لتأكيد الحقيقة. قالت المحكمة بوضوح إن الطعن مقدم ضمن المدة القانونية من حيث الشكل، لكنها عندما دخلت إلى جوهر القضية وجدت أن القرار صحيح، وأن الأدلة ليست مجرد أقوال عابرة، بل متساندة ومتماسكة بطريقة تجعل الحكم “مطمئناً” من الناحية القانونية.

والأقوى من كل ذلك أن المحكمة استندت إلى عناصر إثبات عملية وواقعية لا تترك مجالاً واسعاً للهرب: أقوال المشتكية لم تكن وحدها، بل تعززت بـ محضر ضبط العملة البيلاروسية موضوع القضية، وبـ كتاب صادر من البنك المركزي العراقي يبين فحص هذه العملة وحقيقتها، إضافة إلى عنصر بالغ التأثير في أي دعوى احتيال: اعتراف المتهم نفسه، حيث ثبت أنه أقرّ بأنه قام بالاحتيال على المشتكية “بالتنويم المغناطيسي” وتسلم منها مبالغ ومصوغات ذهبية.

هنا بالضبط تتجلى قيمة هذا القرار بالنسبة للناس… وبالنسبة لكل محامي في العراق يبحث عن قضايا “الاحتيال والابتزاز والخداع”.
القضاء لم يقل إن التنويم المغناطيسي “خرافة”، ولم يتعامل معه على أنه شيء لا يُثبت، بل جعله جزءاً من صورة الاحتيال: وسيلة خداع، وطريقة تأثير، ودليل على القصد الجرمي، وسبب مباشر في حدوث التسليم.

ومن الناحية العلمية، فإن ما يسمّى بالتنويم المغناطيسي ليس سحراً كما يظن البعض، وإنما حالة نفسية تجعل الإنسان أكثر قابلية لتلقي الإيحاءات وأكثر استعداداً لتصديق فكرة معينة دون مناقشتها بالشكل المعتاد. الفكرة ليست أن الشخص يفقد عقله بالكامل، بل أن مقاومته الداخلية تنخفض، ويصبح “مرناً” أمام التوجيه، خصوصاً إذا كان الطرف الآخر يتكلم بثقة ويستخدم أسلوباً نفسياً منظماً. وهذه الحقيقة العلمية تحديداً هي ما يجعل هذا النوع من الاحتيال خطيراً، لأنه يستهدف الضحية من الداخل، وليس من الخارج.

لذلك، حين قالت المحكمة إن المتهم أوهم المجنى عليها بأن العملة المتداولة ذات قيمة عالية في السوق، فالمعنى الحقيقي ليس مجرد “كذبة”، بل مشروع خداع كامل: كذبة مدعومة بحيلة نفسية، مغلفة بثقة، تدفع المجنى عليها إلى تسليم المال والذهب وهي متصورة أن ما تقوم به صفقة أو تبادل مشروع، لا سرقة ولا نصب.

والأهم أن الهيئة التمييزية عندما صادقت الحكم قالت في مضمون قرارها إن العقوبة المفروضة جاءت مناسبة لملاءمة الفعل المرتكب. هذه العبارة القضائية ليست جملة عادية، بل رسالة واضحة: هذا الفعل خطير، وهذه الوسيلة ليست بسيطة، وهذا الاحتيال لا يُعامل كأنه “نزاع مالي بسيط”، بل كجريمة تستحق الردع.

هذا القرار يضع أمامنا سؤالاً لا يريد كثيرون مواجهته: إذا كان الاحتيال بالتنويم المغناطيسي قد وصل إلى المحاكم، فهل بدأ ينتشر بصمت داخل المجتمع؟ وهل أصبح من الممكن أن يسرق الإنسان دون أن يشعر، ثم يُلام لأنه “صدق”؟
وهل ستظهر في المستقبل قضايا أشد تعقيداً تتعلق بالتأثير النفسي والبرمجة الذهنية واستغلال الضعف البشري؟
وهل يمكن أن يكون “الخداع” اليوم ليس مجرد كلمات، بل تقنيات نفسية تشبه ما يقرأه الناس عن التنويم والإيحاء والتحكم بالعقل؟

لهذا السبب بالذات، فإن أي شخص يبحث اليوم في غوغل عن: التنويم المغناطيسي في القانون العراقي، أو جريمة الاحتيال بالتنويم المغناطيسي، أو كيف أثبت نصب واحتيال في المحكمة، أو أفضل محامي قضايا الاحتيال في بغداد… سيجد أن هذا النوع من القضايا لم يعد خيالاً، بل أصبح واقعاً قضائياً عراقياً موثقاً بقرار تمييزي.

والرسالة التي يجب أن تصل للقارئ بشكل واضح وصادم هي: ليس كل من سرقك أخذ المال بالقوة… بعضهم سرقه منك وأنت تبتسم.
ولهذا فإن حماية الناس اليوم لا تتوقف على الأقفال والكاميرات فقط، بل تبدأ من الوعي، ومن فهم أن الاحتيال قد يتخفّى بشكل “مقنع جداً” حتى يبدو كأنه حقيقة.

وفي النهاية، هذا القرار ليس مجرد ورقة قضائية، بل جرس إنذار: أن القانون العراقي قادر على مواجهة الخداع مهما تغيّرت أدواته، وأن القضاء يمكنه أن يميّز بين “وهم الضحية” وبين “خطة الجاني”، طالما أن الأدلة متساندة والواقعة ثابتة، وأن العدالة لا تقف عاجزة أمام أساليب الاحتيال الحديثة حتى لو كانت نفسية وغير مألوفة.