إهدار المال العام

إهدار المال العام.. عندما تُسرق حقوق ملايين المواطنين

لم يعد إهدار المال العام مجرد مصطلح قانوني نقرأه في نصوص القوانين، بل أصبح واقعاً ينعكس على حياة المواطن العراقي في كل تفاصيلها. فالمال الذي يُهدر اليوم كان من الممكن أن يكون مدرسة تُبنى، أو مستشفى يُجهَّز، أو مشروعاً يوفر آلاف فرص العمل للشباب.

إهدار المال العام لا يقتصر على السرقة أو الاختلاس، بل يشمل كل تصرف يؤدي إلى ضياع أموال الدولة أو استغلالها بصورة مخالفة للقانون أو إنفاقها في غير الأغراض التي خصصت لها …

وما نشهده اليوم من ملفات فساد كبرى يؤكد حجم الضرر الذي يمكن أن يلحق بالدولة عندما يُساء استخدام السلطة أو المنصب الوظيفي. فالقضاء العراقي أعلن خلال الأشهر الماضية عن ضبط مبالغ مالية تقدر بـ(127) مليار دينار عراقي و(24) مليون دولار أمريكي، فضلاً عن عقارات وعجلات ومصوغات ذهبية في القضية المتعلقة بوكيل وزارة النفط لشؤون التصفية والأطراف المتورطة معه، ولا تزال التحقيقات القضائية مستمرة للكشف عن جميع المتورطين واسترداد الأموال العامة

وهنا يبرز تساؤل مهم: هل تحمي الحصانة البرلمانية المتورطين في جرائم الفساد؟

الجواب القانوني : كلا الحصانة لا تحمي المتورطين

فالحصانة البرلمانية ليست امتيازاً يبيح الإفلات من العقاب، وإنما هي ضمانة لممارسة العمل النيابي، ويمكن رفعها متى ما توفرت الأدلة القانونية والإجراءات الدستورية بحق عضو مجلس النواب. وقد أشارت المعلومات المعلنة عن التحقيقات إلى اتخاذ إجراءات برفع الحصانة عن عدد من النواب المتورطين في القضية لتنفيذ أوامر القبض بحقهم وفقاً للقانون

أما عن الجهة المختصة بمحاسبة المتورطين، فإن ذلك يدخل ضمن اختصاص القضاء العراقي ممثلاً بمحاكم التحقيق المختصة بقضايا النزاهة ومكافحة الفساد، وبالتعاون مع هيئة النزاهة والجهات التحقيقية الأخرى، التي تتولى جمع الأدلة وملاحقة الأموال والعقارات المتحصلة من الجرائم المرتكبة

وإذا ثبتت التهم بحق المتهمين، فإن العقوبات تختلف بحسب الوصف القانوني للفعل المرتكب، فقد تشمل جرائم الإضرار العمدي أو غير العمدي بالمال العام، والاختلاس، واستغلال الوظيفة، والكسب غير المشروع، فضلاً عن مصادرة الأموال المتحصلة من الجريمة والحجز على العقارات والمنقولات وإلزام المتسببين برد الأموال إلى خزينة الدولة، إضافة إلى العقوبات السالبة للحرية التي قد تصل إلى السجن المشدد بحسب النص القانوني المنطبق على كل واقعة….

إن أخطر ما في إهدار المال العام أنه لا يسرق أموال الدولة فحسب، بل يسرق حق المواطن في الحياة الكريمة والخدمات الأساسية. فكل مليار يُهدر كان يمكن أن يغيّر واقع مدينة بأكملها، وكل مشروع فاسد يعني مستقبلاً ضائعاً لأجيال كاملة …

ويبقى القضاء هو الفيصل الأخير، فلا إدانة إلا بحكم قضائي، ولا حصانة يمكن أن تقف بوجه تطبيق القانون متى ما ثبتت مسؤولية أي شخص، مهما كان منصبه أو صفته

المحامية
نور الحميداوي