| |

الاعتماد المستندي في العراق بين الضمان والنزاع

المحامي/ايوب حميد

في السوق العراقي لا تبدأ الخسارة دائما عند تعثر البضاعة ولا عند تأخر الشحنة ولا حتى عند إخلال المجهز بالتزاماته، بل قد تبدأ في لحظة يظن فيها صاحب الشركة أو التاجر أو المستثمر أن فتح الاعتماد المستندي أغلق باب الخطر كله، ثم يكتشف بعد ذلك أن المال بقي معلقا وأن المصرف لم يمض بالمعاملة إلى نهايتها القانونية وأن الصفقة التي كان يفترض أن تكون محمية تحولت إلى نزاع مصرفي وتجاري معقد. ومن واقع العمل القانوني في بغداد والعراق أرى أن أخطر ما في الاعتماد المستندي ليس اسمه ولا شكله المصرفي، بل الوهم الشائع بأنه وسيلة أمان مطلقة لا تحتاج إلى مراجعة قانونية دقيقة قبل فتحه وأثناء تنفيذه وعند ظهور أول خلاف بشأنه.

الاعتماد المستندي في القانون العراقي ليس مجرد إجراء بنكي عابر، بل هو نظام قانوني واضح نظمه قانون التجارة العراقي ووضع له قواعد دقيقة تحدد من يلتزم ومتى يلتزم وعلى أي أساس. فالمواد من 273 إلى 280 من قانون التجارة رسمت الإطار القانوني لهذا النوع من المعاملات، وقررت أن الاعتماد المستندي عقد يتعهد المصرف بمقتضاه بفتح اعتماد لصالح المستفيد بناء على طلب الآمر، كما قررت أن هذا الاعتماد يبقى مستقلا عن العقد الذي فتح بسببه. وهذه النقطة وحدها تكفي لتفسير كثير من سوء الفهم في السوق، لأن بعض المتعاملين يظنون أن كل نزاع في عقد البيع أو التجهيز ينعكس تلقائيا على المصرف، بينما الحقيقة أن المصرف يتعامل في الأصل مع المستندات وشروط الاعتماد لا مع أصل البضاعة بوصفها الواقعي أو التجاري.

ومن هنا تحديدا تبدأ خطورة الملف. لأن المصرف في الاعتماد المستندي لا يعمل على أساس الانطباعات ولا على أساس النيات ولا على أساس ما يقوله كل طرف بعد تفاقم النزاع، بل يعمل ضمن شروط الاعتماد والمستندات المقدمة إليه. فإذا كانت المستندات مطابقة في ظاهرها، نشأت آثار قانونية لا يجوز التعامل معها بخفة، وإذا لم تكن مطابقة، فإن الرفض أو التوقف يحتاج إلى سبب واضح ومحدد. لذلك فإن أي شركة في بغداد أو أي مستورد في العراق أو أي مقاول أو جهة استثمارية تدخل في اعتماد مستندي من دون ضبط المستندات والشروط ومواعيد التقديم والإخطار، تكون قد دخلت فعليا في منطقة نزاع محتمل حتى لو كانت تعتقد أنها تدخل في منطقة أمان.

ولهذا أقول بوضوح إن الاعتماد المستندي لا يجب أن يفهم على أنه ورقة ضمان فقط، بل على أنه التزام قانوني مصرفي شديد الحساسية. فهو قد يحمي الصفقة إذا أحسن تنظيمه، وقد يتحول إلى باب واسع لتجميد الأموال وتعطيل المشاريع إذا أسيء فهمه أو أسيء استخدامه أو تُرك بلا متابعة قانونية دقيقة. وفي الواقع العملي العراقي، رأيت أن بعض الشركات تهتم بقيمة العقد وبسعر البضاعة وبموعد الشحن أكثر من اهتمامها بشروط الاعتماد نفسه، ثم تكتشف متأخرة أن المشكلة الحقيقية لم تكن في أصل الصفقة بل في كيفية فتح الاعتماد أو في نوع المستندات المطلوبة أو في طريقة التعامل مع الرفض أو التأخير.

وهذا الفهم ليس مجرد رأي نظري، بل تؤكده أيضا التطبيقات القضائية في العراق. فالقرار الصادر من محكمة التمييز الاتحادية بالعدد 130/الهيئة الاستئنافية منقول/2022 بتاريخ 3/8/2022 يلفت النظر إلى حقيقة بالغة الأهمية، وهي أن النزاع المتعلق بالاعتماد المستندي لا يخرج من رقابة القضاء لمجرد أنه يرتدي ثوبا مصرفيا أو فنيا. فمتى ما تعلق الأمر بمبلغ معلق أو بعدم تسديد أو ببقاء المال مجمدا من دون مسوغ قانوني أو فني كاف، فإن المحكمة تتدخل لتفحص المستندات والوقائع والخبرة وتبحث هل كان الموقف المصرفي قائما على سبب مشروع أم لا. وهذا الاتجاه القضائي مهم جدا لكل من يعمل في التجارة والاستيراد والمقاولات والاستثمار في بغداد وسائر العراق، لأنه يؤكد أن الاعتماد المستندي ليس منطقة معزولة عن المساءلة القانونية.

وتزداد أهمية هذا الموضوع عندما نفهم أن القانون لم يمنح المصرف حماية مطلقة، كما لم يمنح العميل أو المستفيد سلطة مطلقة أيضا. فالتوازن هنا دقيق. المصرف يكون محميا عندما يلتزم بحدود المستندات وشروط الاعتماد، لكنه لا يكون بمنأى عن المساءلة إذا تحول من منفذ للالتزام إلى جهة تعطل المبلغ أو تجمده بلا مبرر معتبر. وفي المقابل فإن العميل لا يكفيه أن يقول إن الصفقة تعطلت أو إن المشروع تأذى، بل عليه أن يثبت أين وقع الخلل القانوني، وهل كان الخلل في تنفيذ الاعتماد، أم في مطابقة المستندات، أم في سبب الرفض، أم في بقاء المبلغ بلا سند. وهذه هي النقطة التي تجعل منازعات الاعتماد المستندي من أكثر ملفات الشركات والمصارف دقة في العراق.

ومن زاوية قانونية أوسع، فإن الاعتماد المستندي يرتبط كذلك بالقواعد العامة في تنفيذ العقود وحسن النية والالتزام بمضمون الاتفاق. لأن كل معاملة مصرفية من هذا النوع لا تنفصل عن بنيتها التعاقدية، ولا يجوز أن تدار بعيدا عن النصوص التي تحكم آثار العقد وتنفيذه. لذلك فإن التعامل الصحيح مع الاعتماد المستندي لا يبدأ عند رفع الدعوى، بل يبدأ قبل فتح الاعتماد نفسه، من خلال مراجعة الشروط، وصياغة المستندات المطلوبة، وتحديد أسباب الرفض المقبولة، وضبط وسائل الإخطار، وتوثيق كل ما يمكن أن يتحول لاحقا إلى دليل في نزاع مصرفي أو تجاري.

ومن واقع موقعي المهني أرى أن كثيرا من الخسائر التي تصيب الشركات العراقية في هذا الباب لا ترجع إلى ضعف الحق، بل إلى ضعف الإدارة القانونية للحق. فهناك فرق كبير بين شركة تدخل في اعتماد مستندي وهي تعرف معنى الاستقلال بين الاعتماد والعقد الأصلي، وتفهم حدود مسؤولية المصرف، وتوثق كل خطوة، وبين شركة تكتفي بالثقة الشفوية أو الاطمئنان إلى أن البنك سيتولى كل شيء. في الحالة الأولى تكون الشركة في موقع أقوى مهما تعقدت الظروف، وفي الحالة الثانية قد تتحول الصفقة كلها إلى ملف شائك يستنزف الوقت والمال والعلاقة التجارية.

وهنا تبرز أهمية المحامي المختص في القضايا التجارية والمصرفية وقضايا الشركات في العراق. لأن ملف الاعتماد المستندي ليس مجرد قراءة سريعة لنصوص قانون التجارة، بل يحتاج إلى فهم قانوني ومصرفي وعملي معا. يحتاج إلى قراءة المستندات كما يقرأها المصرف، وإلى فهم النص كما تفسره المحاكم، وإلى معرفة متى يكون الرفض مشروعا ومتى يكون التعطيل تعسفا ومتى يكون من حق الشركة المطالبة بإعادة المبلغ أو التعويض أو اتخاذ الإجراءات القضائية المناسبة. وهذا ما يجعل الاستشارة القانونية المبكرة في مثل هذه الملفات أقل كلفة بكثير من الدخول في نزاع بعد تفاقم الضرر.

إن الاعتماد المستندي في بغداد والعراق يجب ألا ينظر إليه على أنه مجرد وسيلة دفع، بل على أنه عقد مالي وتجاري قد يفتح باب الأمان أو يفتح باب النزاع. وكلما كبرت قيمة الصفقة أو ارتبطت بمشروع صناعي أو مقاولة أو استيراد مواد أو تجهيز خطوط إنتاج أو معدات، أصبحت الحاجة إلى الإدارة القانونية الدقيقة أكثر إلحاحا. لأن الخطأ هنا لا تكون نتيجته مجرد ملاحظة إدارية، بل قد تكون نتيجته تجميد أموال شركة كاملة أو تعثر مشروع أو توقف تجهيز أو خصومة قضائية طويلة.

هذا رأيي القانوني بوضوح. الاعتماد المستندي ليس إجراء شكليا، وليس حماية تلقائية، وليس ملفا مصرفيا معزولا عن القضاء. إنه موضوع قانوني حقيقي تمسه النصوص وتراقبه المحاكم وتكشفه الخبرة ويصنع الفارق فيه المحامي الذي يفهم التجارة والمصارف والشركات لا المحامي الذي يكتفي بالعموميات. ومن يقرأ هذا الملف بهذه الطريقة فقط، يستطيع أن يحول الاعتماد المستندي من مصدر خطر إلى أداة حماية حقيقية لمصالحه التجارية في العراق.

وإذا كان لديك اعتماد مستندي أو نزاع متعلق بفتح اعتماد مستندي أو تجميد مبلغ أو رفض مستندات أو خلاف مع مصرف في بغداد أو في أي محافظة عراقية، وتبحث عن محامي عراقي يفهم منازعات الشركات والمصارف والعقود التجارية والاستيراد، فبإمكانك التواصل معنا.