هل التنازل عن شكوى الصك يسقط حق المطالبة بالمبلغ في العراق؟
بقلم المحامي ايوب حميد
التنازل عن شكوى الصك لا يسقط حق المطالبة بالمبلغ في العراق بمجرد حصول التنازل لأن الشكوى الجزائية شيء والدين الثابت بالصك شيء آخر ولا يضيع حق حامل الصك بالمطالبة المدنية إلا إذا صرح صراحة بأنه تنازل عن الحق المدني أو استلم المبلغ أو أبرأ ذمة محرر الصك.
هذه الفكرة مهمة جدا في قضايا الصكوك بدون رصيد لأن كثيرا من الناس يعتقدون أن غلق الشكوى الجزائية يعني انتهاء الموضوع بالكامل بينما الواقع العملي أمام المحاكم العراقية يفرق بين أثر الشكوى الجزائية وأصل الدين الذي نشأ عن تعامل تجاري أو عقد أو مطالبة مالية.
الأساس القانوني لهذا التفريق موجود في المادة 9 من قانون أصول المحاكمات الجزائية رقم 23 لسنة 1971 إذ بينت الفقرة و أن التنازل عن الشكوى يستتبع تنازل المشتكي عن حقه الجزائي ولا يستتبع تنازله عن الحق المدني ما لم يصرح بذلك كما بينت الفقرة ط أن تنازل المشتكي عن الشكوى يمنع المحكمة الجزائية من النظر في الدعوى المدنية ولا يمنعه من مراجعة المحكمة المدنية للمطالبة بالحق المدني إلا إذا صرح بتنازله عنه.
معنى ذلك بلغة بسيطة أن حامل الصك إذا تنازل في مركز الشرطة أو أمام قاضي التحقيق عن الشكوى الجزائية فقط فإن هذا التنازل يمنع الاستمرار بطريق العقوبة الجزائية بحسب حال الدعوى لكنه لا يمنع إقامة دعوى مطالبة بقيمة الصك أمام محكمة البداءة إذا بقي المبلغ بذمة محرر الصك.
أما إذا كان التنازل مكتوب بصيغة واسعة مثل تنازلت عن كافة حقوقي المدنية والجزائية أو لا أطالب المشتكى عليه بأي مبلغ أو أبرأت ذمته من قيمة الصك فهنا قد يتحول الأمر من مجرد تنازل عن الشكوى إلى تنازل عن أصل الحق المالي نفسه.
هنا تظهر خطورة صياغة التنازل لأن كلمة واحدة قد تنقل حامل الصك من موقع المطالبة إلى موقع من أضاع حقه بنفسه لذلك يجب أن يكون التنازل محدد وواضح إذا كان المقصود منه إسقاط الشكوى الجزائية فقط مع الاحتفاظ بحق المطالبة المدنية بقيمة الصك.
جريمة إعطاء صك بدون رصيد نظمها قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 في المادة 459 وهي تتعلق بالمسؤولية الجزائية عند إعطاء الصك بسوء نية مع العلم بعدم وجود مقابل وفاء كاف قائم وقابل للتصرف فيه أو عند حصول صور أخرى تمنع صرف الصك.
لكن وجود هذه الجريمة لا يلغي الطبيعة المالية للصك لأن الصك في الأصل أداة وفاء ويستعمل في التعاملات التجارية والمطالبات بين التجار والشركات والمقاولين والأفراد لذلك قد يسير حامل الصك بطريق جزائي وطريق مدني بحسب ظروف القضية.
كما أن قانون التجارة العراقي رقم 30 لسنة 1984 نص في المادة 155 على أن الشيك مستحق الوفاء بمجرد الاطلاع عليه وكل بيان يخالف ذلك يعتبر كأنه غير موجود وهذا يعزز فكرة أن الصك ليس مجرد ورقة ضغط بل ورقة وفاء لها أثر مالي مباشر.
إذا استلم حامل الصك جزء من المبلغ ثم تنازل عن الشكوى فعليه أن يثبت المبلغ المستلم وأن يذكر بوضوح أن الباقي ما زال مطلوبا إن كان هناك باقي بذمة المدين لأن السكوت أو الصياغة العامة قد تفتح باب نزاع جديد حول معنى التنازل.
أما إذا تم الصلح على أقساط فيجب عدم الاكتفاء بعبارة التنازل عن الشكوى بل يفضل تنظيم اتفاق تحريري يحدد مقدار الدين والمبلغ المدفوع والمتبقي ومواعيد السداد والجزاء عند عدم الدفع مع النص على أن التنازل الجزائي لا يعني الإبراء من الحق المدني إلا بعد الوفاء الكامل.
الإبراء له أثر خطير في القانون المدني العراقي لأن المادة 420 من القانون المدني رقم 40 لسنة 1951 نصت على أنه إذا أبرأ الدائن المدين سقط الدين لذلك لا يجوز استعمال كلمة إبراء أو مخالصة نهائية إلا إذا كان حامل الصك قد استلم حقه فعلا أو كان يريد إسقاط الدين بإرادته.
في الدعاوى التجارية في بغداد خصوصا في مناطق الكرادة والمنصور والحارثية والقادسية والجادرية وحي الجامعة حيث تكثر المصارف والشركات والتعاملات الورقية تظهر هذه المشكلة بكثرة عند توقيع صك مقابل عقد أو توريد أو شراكة أو مقاولة ثم يحصل التنازل قبل فهم أثره القانوني.
ولذلك فإن البحث عن افضل محامي ببغداد أو افضل محامي قضايا تجارية ببغداد في هذا النوع من القضايا يجب أن يكون هدفه فهم الطريق القانوني الصحيح لا مجرد إقامة شكوى أو التنازل عنها لأن الأهم هو حماية أصل الدين ومنع صياغة تنازل قد تضر بحق المطالبة.
من الناحية العملية يستطيع حامل الصك بعد التنازل عن الشكوى الجزائية أن يراجع المحكمة المدنية للمطالبة بقيمة الصك إذا لم يكن قد تنازل صراحة عن حقه المدني أو وقع مخالصة نهائية أو أبرأ ذمة المدين من المبلغ.
لكن نجاح المطالبة المدنية يحتاج إلى ترتيب المستندات ومنها أصل الصك واستشهاد المصرف وسبب الدين إن وجد والمراسلات أو العقد أو الفواتير أو أي دليل يثبت العلاقة المالية خصوصا إذا أنكر المدين سبب التعامل أو ادعى الوفاء.
الخلاصة العملية أن التنازل عن شكوى الصك لا يسقط قيمة الصك تلقائيا ولا يمنع المطالبة بالمبلغ إلا إذا تضمن التنازل إسقاط للحق المدني أو إبراء صريح للمدين أو مخالصة نهائية أو قبض كامل للمبلغ لذلك يجب مراجعة محامي مختص قبل توقيع أي تنازل أو صلح حتى لا يتحول إجراء سريع إلى خسارة قانونية يصعب تداركها.
أسئلة شائعة قصيرة :
هل التنازل عن شكوى الصك يعني أن المبلغ سقط؟
لا لا يسقط المبلغ بمجرد التنازل عن الشكوى الجزائية إلا إذا صرح حامل الصك بأنه تنازل عن الحق المدني أو أبرأ ذمة المدين أو استلم كامل المبلغ.
هل أستطيع إقامة دعوى مدنية بعد التنازل عن الشكوى الجزائية؟
نعم تستطيع إذا كان التنازل محصور بالحق الجزائي فقط ولم يتضمن تنازل عن المطالبة المدنية بقيمة الصك.
ما أخطر عبارة في تنازل الصك؟
أخطر عبارة هي التي تتضمن التنازل عن كافة الحقوق المدنية والجزائية أو الإبراء أو المخالصة النهائية لأنها قد تمنع المطالبة بالمبلغ لاحقا.
هل الأفضل التنازل بعد الاتفاق على أقساط؟
لا يفضل التنازل قبل تنظيم اتفاق واضح يثبت الدين والأقساط والباقي وحق الرجوع عند عدم السداد لأن التنازل العام قد يسبب نزاع حول سقوط الحق.
هل الصك بدون رصيد يبقى دليل مطالبة بعد غلق الشكوى؟
نعم قد يبقى دليلا مهما في الدعوى المدنية إذا لم يحصل تنازل صريح عن الحق المدني وكانت المستندات مؤيدة للمطالبة.
عن الكاتب
المحامي ايوب حميد محامي عراقي في بغداد يعمل في القضايا التجارية والعقارية والمدنية وقضايا الشركات والضرائب والضمان الاجتماعي ومحاكم البداءة، ويقدم محتوى قانونيا مبسطا للجمهور العراقي من خلال مقالات قانونية وبودكاست جلسة علنية.