العقود الاستشارية بعد تعليمات تنفيذ العقود العامة رقم (1) لسنة 2025

كيف تحولت من رأي مهني إلى مسؤولية قانونية خطيرة في العراق

المحامي/ايوب حميد

لم تعد العقود الاستشارية الحكومية في العراق مجرد اتفاقات فنية أو آراء مهنية تقدم للجهات الرسمية وتنتهي آثارها عند تسليم التقرير. فبعد صدور تعليمات تنفيذ العقود الحكومية رقم (1) لسنة 2025، تحولت هذه العقود إلى واحدة من أخطر صور التعاقد مع الدولة من حيث المسؤولية القانونية والآثار المالية، وأصبح المستشار طرفا مؤثرا في القرار الإداري لا مجرد خبير يقدم رأيا وينصرف.

كثير من الشركات والمكاتب الاستشارية ما زالت تدخل في تعاقداتها مع الوزارات والجهات الحكومية وهي تعتقد أنها أمام عقد خدمات اعتيادي، في حين أن الواقع القانوني مختلف تماما. فالعقد الاستشاري الحكومي في العراق بات عقدا ذا طبيعة إدارية، تحكمه قواعد استثنائية، وتحيط به رقابة مشددة، وتترتب عليه التزامات قد تقود إلى مساءلة قانونية ومالية جسيمة إذا لم يتم فهم حدوده منذ البداية.

كيف غيرت تعليمات 2025 طبيعة العقد الاستشاري في العراق

تعليمات تنفيذ العقود الحكومية رقم (1) لسنة 2025 لم تقتصر على تنظيم الإجراءات الشكلية، بل أعادت صياغة فلسفة التعاقد نفسها. فقد انتقلت الدولة من مفهوم التعاقد المرن إلى مفهوم يقوم على الحوكمة والرقابة وربط المسؤولية بالنتائج، وهو ما انعكس مباشرة على العقود الاستشارية.

بموجب هذه التعليمات لم يعد الرأي الاستشاري شأنا فنيا بحتا، بل أصبح جزءا من منظومة حماية المال العام. وهذا يعني أن المستشار قد يسأل عن جودة التحليل ودقة التقدير وسلامة التوصيات، بل وحتى عن النتائج التي ترتبت لاحقا على رأيه، سواء من الناحية الادارية او المالية او القانونية.

وهنا تكمن الخطورة التي يغفل عنها كثيرون، إذ لم تعد المسؤولية مرتبطة بسوء النية او الخطأ الجسيم فقط، بل قد تنشأ بسبب قصور مهني او تقدير غير دقيق للمخاطر.

العقد الاستشاري لم يعد عقدا مدنيا عاديا

في القانون المدني تقوم العقود على مبدأ سلطان الارادة والتوازن بين الاطراف، غير ان هذا المنطق لم يعد صالحا عند الحديث عن العقود الاستشارية الحكومية في العراق. فالدولة بصفتها سلطة عامة تتمتع بامتيازات خاصة تجعل العقد اقرب الى العقد الاداري منه الى عقد الخدمات.

وبموجب ذلك تمتلك الجهة الحكومية صلاحيات واسعة في الاشراف والتعديل وفرض الجزاءات وفسخ العقد وفق الضوابط القانونية، وكل ذلك باسم حماية المصلحة العامة. وفي المقابل يلتزم المستشار بقيود صارمة لا يستطيع التفاوض على اغلبها، حتى لو بدت غير متوازنة عمليا.

هذا التحول هو السبب الرئيسي في نشوء كثير من النزاعات بعد التوقيع لا قبله، حين يكتشف الطرف الاستشاري انه دخل علاقة قانونية تختلف جذريا عما كان يتصوره.

المسؤولية القانونية للمستشار ولماذا اصبحت اخطر بعد 2025

الخطورة الحقيقية في العقود الاستشارية الحكومية لا تتعلق بتنفيذ عمل مادي فقط، بل بجوهر الرأي نفسه. فالمستشار لا يحاسب على فعل محدد، بل على جودة التفكير والتحليل والتقدير.

اي خطأ في الدراسة او ضعف في التوصيات او اغفال لمخاطر محتملة قد يعد اخلالا بالالتزام المهني. ولهذا فان المسؤولية في هذا النوع من العقود اوسع من غيرها، لان التقييم يتم باثر رجعي وغالبا في ضوء نتائج ظهرت لاحقا.

ولهذا السبب تبدأ كثير من النزاعات بتقارير رقابية او ملاحظات ادارية قبل ان تتحول لاحقا الى مطالبات مالية او دعاوى قضائية.

الرقابة والحوكمة ولماذا اصبحت كل خطوة محسوبة

تعليمات 2025 شددت على توثيق جميع مراحل التعاقد من اعداد الشروط المرجعية الى الاعلان ثم التقييم فالاحالة والتنفيذ. كما فرضت استخدام النماذج المعتمدة والمنصات الالكترونية، بما يجعل كل اجراء قابلا للتدقيق والمراجعة في اي وقت.

وهذا يعني ان اي خطأ شكلي او موضوعي حتى لو بدا بسيطا قد يفسر لاحقا على انه مخالفة تستوجب المساءلة. لذلك لم يعد مقبولا التعامل مع العقد الاستشاري بعقلية الاجراءات الروتينية، بل باعتباره ملفا قانونيا متكاملا يجب ادارته بحذر شديد.

اختيار المستشار لم يعد بالارخص بل بالاكثر كفاءة

من ابرز ما جاءت به تعليمات تنفيذ العقود الحكومية اعتماد اساليب اختيار تقوم على الجودة والكفاءة مثل اسلوب الجودة والكلفة او الجودة فقط. ويعكس ذلك توجها واضحا نحو تقديم الخبرة والمنهجية والسجل المهني على عامل السعر.

غير ان هذا التوجه يحمّل من يقع عليه الاختيار مسؤولية مضاعفة، اذ يصبح مطالبا بمستوى اداء اعلى، ويخضع لتقييم ادق، مما يجعل الدخول في التعاقد دون استعداد قانوني كاف مخاطرة حقيقية قد تتحول الى عبء ثقيل بدل ان تكون فرصة مهنية.

الضمانات والغرامات البوابة الاكثر شيوعا للنزاعات

تفرض العقود الاستشارية الحكومية تقديم خطابات ضمان حسن تنفيذ، والالتزام بجداول زمنية دقيقة، واحترام شروط السرية وتضارب المصالح. كما تفرض غرامات عند التاخير او الاخلال، وقد تمتد اثارها الى مطالبات مالية او اجراءات قانونية معقدة.

كثير من النزاعات المعروضة امام اللجان المختصة او المحاكم تبدأ من هذه النقطة تحديدا بسبب عدم فهم اثر هذه الضمانات عند توقيع العقد او الاستهانة بصياغتها.

مسار النزاع في العقود الاستشارية الحكومية

عند وقوع الخلاف لا يتم اللجوء مباشرة الى القضاء، بل تمر النزاعات عادة بمراحل تسوية ادارية او لجان فنية مختصة، ولا يفتح باب التحكيم الا اذا ورد نص صريح عليه في العقد. ولهذا تعد صياغة بند فض النزاعات من اخطر بنود العقد، لان خطا بسيطا فيه قد يؤدي الى اطالة النزاع او ضياع الطريق القانوني الصحيح.

لماذا تحتاج الى محام مختص بالعقود الحكومية في بغداد

من خلال الخبرة العملية في القضايا التجارية والمدنية ومحاكم البداءة وملفات الشركات والضرائب والاستثمار والعقارات والديون في بغداد يتضح ان اغلب المشكلات لا تنشأ من سوء نية، بل من ضعف الفهم القانوني لطبيعة العقد الاستشاري الحكومي.

فالتعامل مع هذا النوع من العقود يتطلب محاميا مختصا بالعقود الحكومية والعقود الادارية يفهم تعليمات 2025 ويدرك فلسفتها ويستطيع قراءة المخاطر قبل وقوعها لا بعد نشوء النزاع.

خلاصة مهمة لكل من يعمل مع مؤوسسات الدولة العراقية

العقود الاستشارية الحكومية بعد عام 2025 لم تعد مساحة امنة للتجربة او المجازفة، بل اصبحت عقودا عالية الحساسية وعالية المسؤولية وعالية المخاطر القانونية. والفرق بين عقد ناجح ونزاع معقد لا يكون في النية بل في الفهم والصياغة والتقدير القانوني المسبق.

اذا كنت صاحب شركة او مكتب استشاري او مستثمرا او تفكر بالدخول في مشاريع الدولة فان الاستعانة بمحامي عراقي مختص في العقود الحكومية والعقود الاستشارية والاستثمار في بغداد لم تعد خيارا اضافيا بل ضرورة حقيقية لحماية مصالحك وضمان تعاقد سليم ومتوازن ومتوافق مع القانون العراقي.