حين يصبح الشارع امتدادًا للبيت: التحرش بين التنشئة والبيئة والحالة النفسية
بقلم المحامية/نور الحميداوي
قد تبدأ حادثة التحرش في الشارع العراقي بنظرة، أو كلمة، أو تعليق على الملابس، وقد تنتهي خلال دقائق. لكن أثرها على الضحية قد لا ينتهي بانتهاء الموقف. أحيانًا تتحول لحظة عابرة إلى خوف، أو قلق، أو شعور دائم بعدم الأمان في مكان يفترض أن يكون متاحًا للجميع.
والغريب أن أول ما يُسأل عنه بعد حادثة التحرش غالبًا ليس المتحرش، وإنما الضحية ماذا كانت ترتدي؟ لماذا كانت وحدها؟ لماذا خرجت بهذا الوقت؟ لماذا لم تتجاهله؟
وكأن المجتمع يحاول أن يجد تفسيرًا لتصرف المتحرش في تصرفات الضحية، بدل أن يضع المسؤولية حيث يجب أن تكون
التحرش لا يبدأ في الشارع
ربما لا يبدأ التحرش في الشارع أصلًا قد تبدأ جذوره في البيت، في طريقة التربية، وفي الأفكار التي يسمعها الطفل منذ الصغر عن المرأة والرجل
عندما يتعلم الطفل أن الإلحاح دليل إعجاب، وأن الرفض يمكن تجاوزه، وأن التعليق على شكل المرأة أو جسدها مجرد مزحة فهو لا يتعلم احترام الحدود. ومع مرور الوقت قد تتحول هذه الأفكار إلى سلوك يرافقه إلى المدرسة والجامعة والشارع وحتى مكان العمل
وهنا يصبح الشارع امتدادًا للبيت
لكن الحديث عن التربية لا يعني تبرير التحرش. البيئة قد تؤثر في تكوين الأفكار، لكنها لا تلغي مسؤولية الإنسان عن أفعاله. فكل شخص مسؤول عن اختياراته، وفهم أسباب السلوك لا يعني إعفاء مرتكبه من المسؤولية
من الشارع إلى مكان العمل
التحرش لا يختفي عندما ندخل إلى بيئة العمل، وإنما قد يتخذ شكلًا مختلفًا. قد يكون تعليقًا متكررًا على المظهر، أو تلميحات، أو رسائل غير مرغوبة، أو استغلالًا للسلطة والموقع الوظيفي
وهنا تصبح المشكلة أكثر حساسية لأن الضحية قد لا تخشى المتحرش فقط، وإنما قد تخشى خسارة وظيفتها أو تشويه سمعتها أو عدم تصديقها
ومن هنا تظهر أهمية القانون
يحظر القانون التحرش الجنسي في الاستخدام والمهنة، سواء كان ذلك في مرحلة البحث عن العمل، التدريب المهني، التشغيل، أو شروط وظروف العمل
تعريف التحرش الجنسي :يُقصد به أي سلوك جسدي أو شفهي ذو طبيعة جنسية، أو أي سلوك آخر يستند إلى الجنس ويمس كرامة النساء والرجال، ويكون غير مرغوب فيه وغير معقول ومهيناً لمن يتلقاه.
الأثر الذي لا نراه
قد ينتهي التحرش بالنسبة للمعتدي بانتهاء الموقف، لكنه قد يستمر في نفس الضحية
قد تصبح أكثر حذرًا في الشارع، تغيّر طريقها، تتجنب أماكن معينة، أو تشعر بالخوف من تكرار التجربة. والأسوأ أن بعض الضحايا يبدأون بلوم أنفسهم ربما كان يجب أن أرتدي بشكل مختلف، أو أخرج في وقت آخر، أو لا أكون وحدي
وهنا يتحول التحرش من فعل قام به شخص آخر إلى عبء تحمله الضحية داخل نفسها
لذلك فإن مواجهة التحرش ليست مسؤولية القانون وحده، ولا مسؤولية المرأة وحدها في أن “تحمي نفسها
هي مسؤولية تبدأ من التربية، وتمر بالمجتمع، وتصل إلى المؤسسات والقانون
نحتاج أن نربي أبناءنا على أن كلمة “لا” تعني “لا”، وأن احترام الحدود ليس ضعفًا، وأن الرجولة ليست في السيطرة أو الإلحاح أو إخافة الآخر
ونحتاج أيضًا إلى بيئات عمل تعرف أن التحرش ليس مزاحًا، وأن حماية الموظف ليست مجاملة، بل مسؤولية
فحين يصبح الشارع امتدادًا للبيت، فإن تغيير الشارع يبدأ من البيت أيضًا، لكنه لا يتوقف هناك؛ بل يحتاج إلى مجتمع لا يلوم الضحية، ومؤسسات لا تتستر على المتحرش، وقانون يُطبّق بعدالة
لأن الهدف ليس فقط أن نعلّم أبناءنا كيف يتجنبون التحرش، بل أن نربي جيلًا يعرف كيف لا يكون هو المتحرش