دعوى التمليك في ظل الحجز التنفيذي :
لماذا لا يحسم الحكم قبل مواجهة حقوق الدائن ؟
المحامية /نور الحميداوي
تعد دعوى التمليك من الدعاوى التي تتداخل فيها أحكام القانون المدني مع قواعد التنفيذ الجبري ولاسيما عندما يكون محل الدعوى عقاراً مثقلاً بحجز تنفيذي سابق ففي هذه الحالة لا يكفي توافر أسباب التمليك الموضوعية وحدها بل يتعين التحقق من مدى انسجام طلب التمليك مع المراكز القانونية القائمة للغير وبالأخص الدائن الحاجز .
ومن زاوية القانون المدني العراقي فإن الحجز التنفيذي لا ينشئ حقاً عينياً للدائن لكنه يقيد سلطة المالك في التصرف بالمال المحجوز ويجعل هذا المال مخصصاُ قانوناً للوفاء بالدين وبموجب القواعد العامة فإن تصرف المدين في المال المحجوز لا يكون نافذاُ بحق الدائن الحاجز متى كان من شأنه الإضرار بضمان التنفيذ .
وانطلاقاً من ذلك فإن الحكم بالتمليك بوصفه سبباً ناقلاً للملكية إذا صدر على مال محجوز دون مراعاة أثر الحجز يكون قد مس مباشرةً الضمان العام المقرر للدائنين وأخل بالتوازن الذي أراده المشرع بين حرية التصرف من جهة وحماية حقوق الغير من جهة أخرى .
كما أن القواعد المدنية تقرر أن الحقوق الشخصية إذا تعلقت بعين معينة فإنها لا تسمو على الحقوق المتقدمة عليها في المرتبة القانونية والحجز التنفيذي يعد واقعة قانونية ترتب أولوية للدائن في استيفاء حقه من المال المحجوز وبالتالي فإن تمليك العين للغير دون مواجهة هذه الأولوية يقضي عملياً إلى إفراغ الحجز من مضمونه وهو ما لا ينسجم مع مبادئ العدالة المدنية .
ومن جانب أخر فإن حسن النية الذي يشكل ركناً مهماً في المعاملات المدنية لا يمكن افتراضه على إطلاقه في دعوى التمليك متى كان طالب التمليك على علم بوجود حجز تنفيذي قائم فالعلم بالحجز يحمل طالب التمليك عبء القبول بالتمليك مثقلاً بالحجز أو تحمل نتيجة رد دعواه لأن طلبه بغير ذلك يعد اصطداماً بحقوق ثابتة للغير .
وفي هذا الإطار يظهر الدور التكميلي لمحكمة الموضوع إذ لا يقتصر واجبها على بحث شروط التمليك فحسب بل يمتد الى التحقق من أثر الحكم المطلوب على حقوق الدائنين انسجاماً مع القاعدة المدنية القاضية بعدم جواز استعمال الحق استعمالاً يجاوز حدوده المشروعة او يفضى إلى الإضرار بالغير .
الخلاصة
وفقاً لأحكام القانون المدني العراقي فإن دعوى التمليك المقامة على عقار مثقل بحجز تنفيذي لا يمكن فصلها عن واقع الحجز وآثاره فالتمليك إما أن يتم مع بقاء الحجز حفاظاً على حقوق الدائن أو يرد الطلب إذا كان من شأنه المساس بضمان التنفيذ وأي حكم يصدر بخلاف ذلك يكون قد خالف القواعد العامة في حماية حقوق الغير وأولوية الاستيفاء .
وهنا نقول الخلاصة القضائية انه دعوى التمليك إذا تعلقت بحصة شائعة مثقلة بحجز تنفيذي لا تحسم إلا بعد مواجهة هذا الحجز إجرائياً وقانونياً وإشراك الدائن الحاجز أو الاستيضاح منه وتحديد موقف طالب التمليك بوضوح فالمحكمة لا تفصل في فراغ بل ضمن واقع تنفيذي قائم يجب احترامه .
رأي عملي شخصي
من الأفضل لطالب التمليك أن يتعامل مع الحجز بوصفه واقعاً قانونياً لا يمكن القفز عليه وأن يحسم موقفه منذ البداية بقبول التمليك مثقلاً بالحجز إن كان حريصاً على كسب الدعوى أما السعي لتمليك (نظيف) مع وجود حجز قائم فهو غالباً ما ينتهي إلى رد الدعوى أو نقض الحكم لاحقاً .
وفي هذا السياق استقر قضاء محكمة استئناف كربلاء الموقرة بصفتها التمييزية بموجب قرارها المرقم
333/ت/حقوقية/تمليك/2025 في 21/12/2025 على أن الحكم بالتمليك الصادر دون إدخال الدائن الحاجز أو الاستيضاح منه ودون سؤال طالب التمليك عن موقفه من التمليك مع بقاء الحجز يعد حكماً سابقاً لأوانه ومستوجباً للنقض .
_اعتمدنا هنا في مقالنا على المادة (210) من قانون المرافعات المدنية
_قرار مجلس قيادة الثورة رقم (1198) لسنة 1977 الذي وأن أجاز التمليك في بعض حالات التعهد إلا أنه لا يعلو على حقوق التنفيذ القائمة ولا يبرر إهدار الحجز التنفيذي .