عقد التجهيز في العراق بعد 2025 لم يعد عقدا مدنيا عاديا

المحامي/ ايوب حميد

كثير من الشركات العراقية ما زالت تتعامل مع عقد التجهيز بعقلية قديمة باعتباره عقدا مدنيا بسيطا قائما على التراضي والمساواة ويمكن التفاهم بشأنه لاحقا عند الخلاف
لكن الحقيقة التي كشفتها تعليمات تنفيذ العقود الحكومية رقم 1 لسنة 2025 ان هذا الفهم لم يعد صالحا بل اصبح خطرا حقيقيا

فاليوم لم يعد عقد التجهيز مجرد اتفاق بين طرفين بل تحول فعليا الى عقد اداري بسلطة الدولة تحكمه قواعد استثنائية وتحيط به صلاحيات واسعة للادارة وتترتب عليه مخاطر قانونية ومالية جسيمة قد لا يدركها كثير من اصحاب الشركات الا بعد فوات الاوان

هذا التحول ليس شكليا ولا لغويا ولا تنظيما اداريا فقط بل هو تحول يمس جوهر العلاقة التعاقدية نفسها ويغير ميزان القوة ويعيد تعريف معنى الالتزام والغرامة والمسؤولية وحتى مفهوم الرضا في العقد

من عقد مدني رضائي الى عقد اداري بامتيازات سيادية

في ظل القانون المدني العراقي رقم 40 لسنة 1951 كان عقد التجهيز يعد عقدا رضائيا يقوم على مبدأ المساواة بين الطرفين
لا امتياز لاحد ولا سلطة فوق الارادة المشتركة
لا غرامة الا باتفاق
ولا جزاء الا بحكم قضائي
والشرط الجزائي يخضع لرقابة المحكمة التي تملك تخفيضه او الغاءه متى انتفى الضرر او ثبتت المبالغة

لكن بعد صدور تعليمات تنفيذ العقود الحكومية لسنة 2025 تغير المشهد بالكامل

فالدولة لم تعد متعاقدا عاديا بل اصبحت سلطة عامة تدير مرفقا عاما
وبذلك انتقل عقد التجهيز من دائرة القانون المدني الى منطق العقد الاداري حيث تتمتع الادارة بامتيازات استثنائية هدفها المعلن حماية المال العام وضمان استمرارية المرفق العام

وهنا تبدأ الخطورة الحقيقية التي يغفل عنها كثير من المتعاقدين

عقد تحكمه التعليمات لا النوايا

في العقود الحكومية لم يعد الاتفاق وحده كافيا
فالتعليمات فرضت منظومة صارمة تبدأ من الاعلان الالكتروني الالزامي مرورا باجراءات التقديم والتحليل والاحالة وانتهاء بالتوقيع والتنفيذ

اي خلل شكلي مهما بدا بسيطا قد يؤدي الى الاستبعاد حتى لو كانت الشركة مؤهلة فنيا وماليا

كما ادخلت التعليمات مفهوم التأهيل المسبق في بعض العقود وهو اجراء يفترض انه يحقق الرصانة لكنه في الواقع يرتب التزامات قانونية عالية الخطورة ويضع الشركة تحت رقابة صارمة منذ اللحظة الاولى

الغرامات من تعويض مدني الى جزاء اداري قاس

اخطر تحول فرضته تعليمات 2025 يتمثل في نظام الغرامات التأخيرية

اولا الغرامة في القانون المدني

في القانون المدني الغرامة ليست سوى شرط جزائي يتميز بالاتي
• لا تفرض الا عند تحقق الضرر
• تخضع لتقدير القضاء
• يجوز تخفيضها او الغاؤها
• لا تستوفى الا بحكم قضائي

ثانيا الغرامة في العقود الحكومية بعد 2025

اما في العقود الحكومية فالوضع مختلف تماما

الغرامة هنا اصبحت جزاء اداريا مباشرا
تفرض تلقائيا بمجرد حصول التأخير دون حاجة لاثبات الضرر لان الضرر مفترض قانونا
وتحدد نسبها سلفا في التعليمات والضوابط
وغالبا ما تتراوح بين 10 بالمئة وقد تصل الى 25 بالمئة من قيمة العقد
وتستوفى مباشرة من مستحقات الشركة او من خطاب الضمان دون الرجوع الى المحكمة

وهنا تكمن الصدمة الحقيقية
قد تعاقب الشركة ماليا حتى لو كان التأخير خارجا عن ارادتها ما لم تكن قد وثقت موقفها القانوني منذ البداية وبشكل اصولي

سلطة الادارة لا تتوقف عند الغرامة

الامتيازات الممنوحة للادارة في عقود التجهيز لا تقف عند حد فرض الغرامات بل تمتد الى سلطات اخطر منها منها
• اصدار اوامر تغيير بالزيادة او النقصان ضمن نسب محددة
• تعديل بعض التزامات العقد بارادتها المنفردة
• سحب العمل عند التلكؤ
• مصادرة او استقطاع خطابات الضمان
• ادراج الشركة في القائمة السوداء وما يترتب على ذلك من اثار خطيرة على مستقبلها التجاري
• ادارة عقود طويلة الامد من خلال الاتفاق الاطاري بما يولد التزامات مستمرة ومتراكمة

وجميع هذه الصلاحيات لا وجود لها اصلا في العقود المدنية التقليدية

عقد عالي المخاطر لا يدار بعقلية تجارية فقط

الخطأ الشائع لدى كثير من الشركات هو التعامل مع عقد التجهيز بوصفه صفقة ربح وخسارة فقط
بينما هو في الحقيقة ملف قانوني معقد تتقاطع فيه النصوص الادارية والضوابط المالية والالتزامات الجزائية والاثار المستقبلية على سمعة الشركة وتصنيفها

التعليمات الجديدة جعلت من الضروري فهم ما يلي
• الفرق بين القواعد العامة والقواعد الخاصة
• حدود سلطة الادارة وطرق الطعن بقراراتها
• كيفية ادارة الغرامات قبل وقوعها لا بعدها
• كيفية التعامل مع خطابات الضمان
• متى يكون سحب العمل مشروعا ومتى يمكن الطعن فيه
• كيف تدار العلاقة مع الجهة المتعاقدة دون خسائر قاتلة

قراءة قانونية من واقع الممارسة

وبالاستناد الى خبرتي كمحام في القضايا التجارية والمدنية وقضايا البداءة وملفات الشركات والضرائب والاستثمار والعقارات والديون في بغداد يتبين ان اخطر ما في عقود التجهيز اليوم ليس النص القانوني بحد ذاته بل سوء تقدير اثاره العملية

فالكثير من النزاعات كان يمكن تجنبها لو ادير العقد منذ لحظة التفكير بالتقديم عليه بادارة قانونية واعية لا بعد تراكم الغرامات وصدور قرارات السحب والمنع

ان التعامل مع العقود الحكومية لم يعد مسألة توقيع ومباشرة بل استراتيجية قانونية متكاملة تبدأ قبل التقديم وتستمر طوال التنفيذ

الخلاصة

عقد التجهيز في العراق بعد تعليمات 2025 هو عقد عالي المخاطر عالي التعقيد شديد الحساسية
لا يصلح معه التسرع ولا الاعتماد على الخبرة التجارية وحدها ولا الثقة بالحلول الارتجالية من يدخله بذهنية العقد المدني قد يخرج منه بغرامات ثقيلة وقرارات يصعب تداركها.

واذا كنت تمتلك شركة او تفكر بالدخول في مناقصة او توقيع عقد تجهيز مع احدى دوائر الدولة او لديك عقد قائم وتواجه مشاكل تتعلق بالغرامات او التنفيذ او خطابات الضمان او سحب العمل وتبحث عن افضل محام عراقي مختص في العقود الحكومية وعقود التجهيز فاهلا بك معنا

نقدم الاستشارات القانونية ونتولى التوكل في القضايا ونساعدك على حماية شركتك وحقوقك في واحد من ادق واكثر مجالات التعاقد حساسية في العراق اليوم.