المقاصة القانونية في الديون التجارية العراقية: متى تنقضي المطالبات المالية بين الشركات دون دفع فعلي؟

المحامي ايوب حميد

المقاصة القانونية في العراق وسيلة لانقضاء الديون المتقابلة دون دفع نقدي فعلي عندما يكون كل طرف دائنا ومدينا للطرف الآخر وتتحقق الشروط التي حددها القانون المدني العراقي رقم 40 لسنة 1951 في المواد 408 إلى 417 وقد أجاز المشرع المقاصة الجبرية عند اتحاد الدينين في الجنس والوصف والحلول والقوة والضعف كما أجاز المقاصة الاختيارية باتفاق الطرفين عندما لا تتوافر بعض هذه الشروط على أن يقع الانقضاء في حدود الدين الأقل مع ضرورة التمسك بالمقاصة ممن له مصلحة فيها.

قد تطالب شركة عراقية شركة أخرى بمبلغ مائة وخمسين مليون دينار عن عقد تجهيز أو مقاولة بينما تكون الشركة المطالبة مدينة للطرف نفسه بتسعين مليون دينار عن معاملة تجارية مستقلة وقد تنتهي العلاقة بينهما إلى دعويين قضائيتين تتبادل فيهما الشركتان المطالبات رغم أن جزءا كبيرا من هذه الالتزامات يمكن أن ينقضي بالمقاصة إذا توافرت شروطها القانونية.

هذه الصورة ليست بعيدة عن واقع التعاملات التجارية في بغداد وبقية المحافظات العراقية فالشركات التي ترتبط بعقود مستمرة قد تكون موردة للبضائع في معاملة ومشترية لها في معاملة أخرى وقد تنفذ أعمالا لصالح شركة تتلقى منها في الوقت نفسه خدمات أو معدات وعندما تتراكم المستحقات يصبح تحديد المركز المالي لكل طرف أكثر تعقيدا من مجرد معرفة قيمة الفواتير غير المسددة.

والمشكلة أن بعض الشركات تتعامل مع هذه الديون كما لو أن كل مطالبة مستقلة تماما عن الأخرى بينما يلجأ بعضها إلى خصم مبالغ من حسابات الطرف المقابل دون اتفاق واضح أو سند قانوني كاف وفي الحالتين قد ينشأ نزاع كان بالإمكان تضييق نطاقه لو جرى التمييز منذ البداية بين المطالبة بالدين وبين الحق في طلب المقاصة.

وقد عرف المشرع المقاصة في المادة 408 من القانون المدني العراقي بأنها إسقاط دين مطلوب لشخص من غريمه في مقابل دين مطلوب من ذلك الشخص لغريمه وهو تعريف يقوم على فكرة بسيطة تتمثل في أن الشخص الذي يطالب غيره بالوفاء قد يكون مدينا له في الوقت نفسه فلا تكون هناك حاجة إلى انتقال مبلغين متقابلين متى سمح القانون بانقضائهما بالمقاصة.

لكن بساطة الفكرة لا تعني بساطة تطبيقها في جميع المنازعات التجارية لأن المقاصة لا تقوم بمجرد وجود حسابات مفتوحة بين شركتين ولا يكفي أن يدعي أحد الطرفين امتلاكه مطالبة مقابلة حتى يسقط الدين المطلوب منه وإنما ينبغي فحص طبيعة الالتزامين والأطراف الذين تعلقت بهما الحقوق ومواعيد استحقاقهما ومدى توافر الشروط التي قررها القانون.

وقد ميزت المادة 409 من القانون المدني بين المقاصة الجبرية التي تحصل بقوة القانون والمقاصة الاختيارية التي تحصل بتراضي المتداينين واشترطت في المقاصة الجبرية اتحاد الدينين جنسا ووصفا وحلولا وقوة وضعفا بينما أجازت المقاصة الاختيارية بالتراضي ولو اختلف الدينان في بعض هذه الصفات وسواء اتحد سبب الالتزامين أو اختلف.

ويظهر من هذا التنظيم أن القانون لا يشترط بالضرورة أن يكون الدينان ناشئين عن العقد نفسه فقد ينشأ أحدهما عن عقد تجهيز والآخر عن عقد خدمات مستقل ويكون كل منهما قابلا للمقاصة مع الآخر إذا توافرت الشروط المطلوبة وهو ما يمنح هذا النظام أهمية خاصة في التعاملات التي تتعدد فيها العقود بين الشركات.

ولنفترض أن شركة مقاولات في بغداد تستحق في ذمة شركة تجهيز مبلغ مائة وخمسين مليون دينار عن أعمال نفذتها بموجب عقد مقاولة وفي المقابل تستحق شركة التجهيز مبلغ تسعين مليون دينار في ذمة شركة المقاولات عن معدات سلمتها بموجب عقد مستقل فإذا كان الدينان متقابلين وتوافرت شروط المقاصة الجبرية وتمسك بها صاحب المصلحة فإن مبلغ تسعين مليون دينار ينقضي من الدينين ويبقى لشركة المقاولات حق المطالبة بستين مليون دينار فقط.

وفي هذا المثال لم تدفع شركة التجهيز مبلغ التسعين مليونا نقدا ولم تقم شركة المقاولات بتحويل المبلغ المقابل إليها وإنما انقضى الجزء المشترك من الدينين بحكم المقاصة وهو أثر يختلف عن الوفاء المباشر لكنه يؤدي إلى تخفيض الالتزامات القائمة بين الطرفين ضمن الحدود التي أجازها القانون.

وقد قررت المادة 413 أن المقاصة تقع بقدر الأقل من الدينين وأنها لا تقع إلا إذا تمسك بها من له مصلحة فيها وهذا الحكم من أكثر أحكام المقاصة أهمية عند إقامة دعاوى المطالبة المالية لأنه يبين أن تحقق شروط المقاصة الجبرية لا يعفي الطرف المعني من إبداء التمسك بها عندما يريد ترتيب أثرها في النزاع.

ومن هنا فإن الشركة التي تواجه دعوى للمطالبة بدين تجاري لا ينبغي أن تكتفي بالقول إنها تملك مستحقات مالية لدى الشركة المدعية بل عليها أن تحدد الدين المقابل ومصدره ومقداره وموعد استحقاقه وأن تقدم الأدلة التي تثبته وتبين وجه انطباق أحكام المقاصة عليه.

وقد يكون الدين المقابل ثابتا بموجب عقد ومحاضر استلام وفواتير غير متنازع عليها وقد يستند إلى مراسلات تجارية تتضمن إقرارا بالمبلغ المستحق لكن الأمر يختلف عندما تكون المطالبة المقابلة مجرد تقدير أولي لتعويض تدعيه الشركة نتيجة إخلال تعاقدي لم تثبت عناصره بعد.

وفي هذه الحالة لا يجوز التعامل مع المطالبة التعويضية وكأنها دين ثابت بمجرد تسجيلها في دفاتر الشركة أو ذكرها في لائحة الدعوى لأن ثبوت الالتزام ومقداره يظل خاضعا للأدلة والدفوع التي يقدمها الطرفان وقد تحتاج المحكمة إلى الفصل في أصل الحق قبل تحديد ما إذا كان الدين المقابل يصلح لإجراء المقاصة.

وهنا تظهر مشكلة عملية في بعض المنازعات التجارية إذ قد تطالب شركة بمبلغ ثابت عن بضائع جرى تسليمها بينما تدفع الشركة الأخرى بأنها تعرضت لخسائر بسبب تأخر التجهيز وتطلب خصم تلك الخسائر من المبلغ المطلوب وقد يكون لها حق في التعويض إذا أثبتت شروطه لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن كل مبلغ تقدره من جانبها يصلح مباشرة للمقاصة الجبرية مع الدين المطالب به.

والتمييز هنا ضروري بين دين مقابل يمكن إثبات وجوده ومقداره واستحقاقه وبين مطالبة ما زالت تحتاج إلى تقدير قضائي أو فني لأن المقاصة ليست وسيلة لإنشاء الالتزامات وإنما طريق لانقضاء التزامات قائمة ضمن الشروط التي رسمها المشرع.

ولا يعني ذلك أن وجود نزاع حول الدين يمنع بحث المقاصة في جميع الحالات فقد تكون المنازعة شكلية أو يكون مقدار الدين قابلا للتحديد من مستندات واضحة وقد يثبت للمحكمة جزء من المطالبة دون الجزء الآخر وعندئذ يصبح تحديد المبلغ الثابت وشروط استحقاقه أمرا مؤثرا في النتيجة القانونية.

ومن الأخطاء الشائعة أيضا الخلط بين المقاصة القانونية وبين التسوية المحاسبية فقد تحتفظ شركتان بكشوف حساب متبادلة ثم تقوم إحداهما بخصم مبلغ تدعي استحقاقه من رصيد الشركة الأخرى دون أن يكون هناك اتفاق أو إقرار واضح بالمبلغ المخصوم وقد يظهر الرصيد الجديد في الحسابات الداخلية وكأن النزاع انتهى بينما يبقى من الناحية القانونية قائما.

فالدفاتر والقيود المحاسبية قد تكون من وسائل إثبات التعاملات بحسب طبيعتها وقيمتها القانونية لكنها لا تتحول وحدها إلى سبب مستقل لانقضاء الالتزام إذا لم تتوافر شروط المقاصة أو التسوية الاتفاقية ولا يكفي تغيير الأرقام في الحسابات لإثبات سقوط دين يتمسك به الطرف الآخر.

وفي المقابل فإن المقاصة الاختيارية تمنح الشركات مساحة أوسع لتنظيم التزاماتها المالية عندما لا تتوافر شروط المقاصة الجبرية فقد يكون أحد الدينين مؤجلا بينما يكون الآخر مستحق الأداء وقد تختلف طبيعة الالتزامين أو وصفهما ومع ذلك يستطيع الطرفان الاتفاق على المقاصة وفقا للمادة 409 من القانون المدني.

وتبرز أهمية هذا الخيار في الشركات التي ترتبط بعقود طويلة الأمد فقد يكون لكل طرف مستحقات نشأت في تواريخ مختلفة ويحتاج إلى تسوية حساباته دون انتظار حلول جميع آجال الوفاء ويمكن للاتفاق الواضح على المقاصة أن يحدد المبالغ التي تنقضي والرصيد النهائي الذي يلتزم أحد الطرفين بدفعه.

لكن المرونة التعاقدية لا تعني أن مجرد استعمال عبارة المقاصة في المراسلات يكفي لإنهاء كل خلاف مالي فقد يتفق الطرفان على تسوية مستحقات عقد معين دون أن يشمل الاتفاق المطالبات الناشئة عن عقود أخرى وقد يقصدان اعتماد رصيد مؤقت لحين تدقيق الحسابات وليس إجراء مخالصة نهائية.

ولهذا فإن صياغة اتفاق المقاصة تحتاج إلى تحديد الديون المشمولة به وأسبابها وقيمتها ومواعيدها والمقدار الذي ينقضي من كل دين والرصيد المتبقي مع بيان أثر الاتفاق في المطالبات الأخرى التي قد تكون قائمة بين الطرفين لأن الغموض في هذه المسائل قد يحول التسوية إلى مصدر نزاع جديد.

ولا تقل أهمية المقاصة عند النظر إلى الصفة القانونية للأطراف فالمقاصة الجبرية تقوم على تقابل المديونية بين الشخصين نفسيهما ولا يجوز الخلط بين ذمة الشركة وذمة مديرها المفوض أو أحد مساهميها لمجرد وجود علاقة إدارية أو مالية بينهم.

فإذا كانت شركة محدودة المسؤولية مدينة لشركة أخرى بمبلغ تجاري وكان المدير المفوض للشركة المدينة دائنا للشركة المطالبة بمبلغ شخصي فلا يجوز افتراض إمكان إسقاط الدينين بالمقاصة الجبرية لأن الشركة تتمتع بشخصية معنوية وذمة مالية مستقلة عن الذمة الشخصية لمن يديرها.

وقد تتكرر المشكلة داخل المجموعات التجارية التي تضم أكثر من شركة تحت إدارة مشتركة فتكون إحدى الشركات مدينة لمورد بينما تكون شركة شقيقة لها دائنة للمورد نفسه ويتصور بعض الأطراف أن وحدة المالكين أو الإدارة تسمح بالمقاصة تلقائيا رغم اختلاف الأشخاص القانونيين الذين نشأت في ذممهم الالتزامات.

وفي مثل هذه الحالات يجب تحديد الأطراف الحقيقية للعقود والديون قبل الحديث عن المقاصة الجبرية أما التسويات متعددة الأطراف فتحتاج إلى أساس اتفاقي وقانوني مستقل يحدد أثرها في الحقوق والالتزامات ولا يصح الاستناد إلى مجرد الارتباط الاقتصادي بين الشركات لإهدار استقلال ذممها المالية.

كما أن القانون المدني لم يجعل جميع الديون والالتزامات قابلة للمقاصة الجبرية دون استثناء فقد تضمنت المادة 410 أحكاما خاصة بالوديعة والعين المغصوبة ومنعت وقوع المقاصة فيهما في الحالات التي تناولتها إلا بتراضي الطرفين وهو ما يبين أن طبيعة المال والالتزام قد تحول دون تطبيق القاعدة العامة حتى عندما يوجد دين مقابل من الجنس نفسه.

ولا يتوقف أثر المقاصة على العلاقة المباشرة بين الدائن والمدين دائما فقد تدخل حقوق أشخاص آخرين تجعل المسألة أكثر تعقيدا وقد قررت المادة 415 من القانون المدني عدم جواز وقوع المقاصة إضرارا بحقوق اكتسبها الغير.

وضرب المشرع مثالا بحالة توقيع حجز تحت يد المدين ثم نشوء حق لهذا المدين في مواجهة دائنه بعد الحجز فلا يجوز استعمال المقاصة على نحو يضر بحقوق الحاجز وهو حكم يبرز أهمية التوقيت الذي نشأت فيه الالتزامات المتقابلة مقارنة بتاريخ اكتساب الغير حقه.

ولنفترض أن شركة مدينة لشركة تجهيز بمبلغ مائة مليون دينار ثم حصل أحد دائني شركة التجهيز على قرار بالحجز على المبالغ الموجودة لدى الشركة المدينة وبعد تنفيذ الحجز نشأ للشركة المحجوز تحت يدها حق مالي جديد تجاه شركة التجهيز ففي هذه الحالة لا يجوز افتراض أن الدين الجديد يصلح للمقاصة بطريقة تهدر حقوق الدائن الذي اكتسب حقا بالحجز قبل نشوء المطالبة المقابلة.

أما إذا كانت الديون المتقابلة قد نشأت واستكملت شروط المقاصة قبل الحجز فإن الموقف يحتاج إلى دراسة مختلفة تأخذ بالحسبان وقت توافر الشروط وطبيعة الحقوق التي اكتسبها الغير لأن النتيجة القانونية لا تتحدد بمجرد وجود حجز أو وجود دين مقابل وإنما بتسلسل الوقائع وأثرها في الحقوق المتنازعة.

ومن هنا فإن إدارة الدعاوى التجارية لا ينبغي أن تقتصر على مقارنة مبالغ المطالبات بل تتطلب أحيانا إعداد تسلسل زمني يوضح تاريخ نشوء كل دين وموعد استحقاقه وتاريخ الحجز أو انتقال الحق وتاريخ التمسك بالمقاصة وهذه التفاصيل قد تكون أكثر حسما من قيمة المبالغ نفسها.

وتبرز المشكلة بصورة أخرى عند حوالة الحق فقد عالجت المادة 417 الحالة التي يحول فيها الدائن حقه إلى شخص ثالث وقررت أن المدين إذا قبل الحوالة دون تحفظ لا يجوز له التمسك تجاه المحال له بالمقاصة التي كان يستطيع التمسك بها قبل قبول الحوالة وإنما يبقى له الرجوع بحقه على المحيل وفقا للنص.

أما إذا أعلن المدين بالحوالة دون أن يقبلها فقد قرر المشرع حكما مختلفا يجيز له التمسك بالمقاصة ضمن الحدود التي حددتها المادة ما لم يكن الحق الذي يريد المقاصة به قد ثبت في ذمة المحيل بعد إعلان الحوالة.

وهذه الأحكام مهمة في التعاملات التي تنتقل فيها المستحقات التجارية من شركة إلى أخرى أو تحال إلى جهة تمويل فقد يكون المدين دائنا للشركة المحيلة بمبالغ سابقة لكنه يفقد في بعض الحالات إمكانية الاحتجاج بالمقاصة تجاه المحال له إذا قبل الحوالة دون تحفظ.

ولهذا فإن قبول حوالة الحق ليس مجرد إجراء إداري يمكن التعامل معه دون فحص الحسابات المتبادلة فقد يترتب عليه أثر مباشر في وسائل الدفاع التي يستطيع المدين استعمالها عند المطالبة بالدين المحال.

وقد عالجت المادة 416 أيضا بعض آثار الوفاء عندما يكون المدين قادرا على طلب المقاصة بحقه المقابل إذ قيدت إمكان تمسكه بالتأمينات التي كانت تكفل حقه إذا كان من شأن ذلك الإضرار بالغير مع مراعاة الاستثناء الذي قرره النص عند جهله بوجود الحق وكان له عذر مقبول.

وتكشف هذه الأحكام أن المقاصة لا تعمل بمعزل عن نظام الضمانات والحجوزات وحوالة الحقوق وأن استعمالها قد يتوقف على تصرفات سابقة قام بها المدين نفسه ولذلك فإن عدم دراسة الموقف القانوني قبل قبول الحوالة أو الوفاء أو التنازل عن بعض الضمانات قد يؤدي إلى نتائج لم يكن الطرف التجاري يتوقعها.

ومن المسائل التي تستحق الانتباه كذلك أثر مرور الزمن على الدين الذي يراد إجراء المقاصة به فقد نصت المادة 414 على أن عدم سماع الدعوى بالدين لمرور الزمن وقت التمسك بالمقاصة لا يمنع وقوعها إذا كانت المدة اللازمة لعدم سماع الدعوى لم تكتمل عندما أصبحت المقاصة ممكنة.

ومعنى ذلك أن البحث لا ينبغي أن يقتصر على تاريخ تقديم الدفع بالمقاصة أو إقامة الدعوى بل يجب الرجوع إلى الوقت الذي توافرت فيه شروط المقاصة بين الدينين لأن الحق الذي أصبح غير قابل للمطالبة القضائية بسبب مرور الزمن قد يبقى صالحا للمقاصة في الحالة الخاصة التي تناولها النص.

وهذا الحكم يكتسب أهمية في العلاقات التجارية القديمة التي تستمر فيها الحسابات سنوات طويلة وقد تحتفظ إحدى الشركات بمستحقات سابقة تجاه شركة أخرى ثم تواجه مطالبة حديثة منها وفي هذه الحالة لا يصح استبعاد إمكان المقاصة لمجرد قدم الدين قبل فحص الشروط الزمنية التي قررتها المادة 414.

ومن الناحية العملية فإن الخطأ في استعمال المقاصة قد يقع في اتجاهين فقد تتمسك شركة بها اعتمادا على دين غير ثابت أو غير مستحق فتضعف دفاعها في الدعوى وقد تهمل شركة أخرى التمسك بدين مقابل صحيح فتواجه مطالبة بكامل المبلغ دون أن تستفيد من وسيلة قانونية كان يمكن أن تخفض التزامها.

ولا يتعلق الأمر دائما بوجود خلاف كبير بين الشركتين فقد يكون الدين المقابل مثبتا في كشف حساب أو محضر مطابقة أرصدة أو مراسلات سابقة لكن الطرف الذي يدير الدعوى لا ينتبه إلى أهمية تقديمه وإثارة الدفع بالمقاصة بصورة واضحة في الوقت المناسب.

ولهذا فإن دراسة المطالبات التجارية ينبغي أن تبدأ بفحص العلاقة المالية الكاملة بين الطرفين لا بالاكتفاء بالعقد الذي تستند إليه الدعوى فقد يكون هناك عقد آخر أو إقرار بدين أو تسوية سابقة أو مستحقات لم تدخل في حساب المطالبة الأصلية ويمكن أن تؤثر في تحديد المركز المالي النهائي للشركة.

كما ينبغي التمييز بين المقاصة والإبراء والتجديد فالإبراء الذي عالجته المادة 420 من القانون المدني يقوم على إسقاط الدائن حقه بينما يقوم التجديد على استبدال التزام جديد بالتزام سابق وفقا لشروطه أما المقاصة فتستند إلى وجود دينين متقابلين ينقضيان في حدود المقدار المشترك بينهما.

وهذا التمييز ليس نظريا فقط فقد يوقع المدير المفوض على اتفاق يعتقد أنه مجرد تسوية حسابات بينما تتضمن عباراته إبراء عاما أو تنازلا عن مطالبات أخرى وقد تستعمل الشركة عبارة المخالصة النهائية دون أن تكون قد حددت الحقوق التي تريد إسقاطها بالفعل.

ومن وجهة نظري فإن القيمة الحقيقية للمقاصة في الدعاوى التجارية العراقية لا تكمن في اختصار إجراءات الدفع وحدها وإنما في قدرتها على إظهار المركز المالي الصحيح للطرفين ومنع استمرار مطالبتين متقابلتين عندما يسمح القانون بانقضائهما دون حركة نقدية لا تحقق فائدة اقتصادية حقيقية.

لكن هذه الفائدة لا تتحقق إذا استعملت المقاصة ذريعة لحبس المستحقات أو تعطيل الوفاء بديون ثابتة مقابل مطالبات لا تزال محل تقدير أو إذا جرى الخصم من حسابات الطرف الآخر بصورة منفردة ثم اعتبرت الشركة أن القيد المحاسبي يكفي لإنهاء الالتزام.

فالدائن الذي يملك حقا تجاريا ثابتا ينبغي ألا يفقد حقه بسبب مطالبة مقابلة غير مثبتة والمدين الذي يملك دينا مقابلا تتوافر فيه شروط المقاصة لا ينبغي أن يلزم بالوفاء الكامل دون بحث الأثر القانوني لذلك الدين وبين الحالتين يظهر دور المحكمة في التحقق من الشروط والأدلة ودور المحامي في تحديد الدفاع الذي يتفق مع حقيقة العلاقة التجارية.

وتكتسب هذه المسألة أهمية في دعاوى المطالبات المالية أمام محاكم البداءة في بغداد وبقية المحافظات العراقية لأن بعض المنازعات التي تبدو في ظاهرها مجرد امتناع عن سداد دين قد تتضمن في حقيقتها حسابات متبادلة وعقودا متعددة وحقوقا تحتاج إلى التمييز قبل تحديد المبلغ النهائي المطلوب الحكم به.

كما أن إدارة المخاطر القانونية داخل الشركات تستلزم عدم ترك الحسابات المتبادلة مفتوحة دون تدقيق فمن الأفضل أن تكون هناك مطابقة دورية للأرصدة وتوثيق للمبالغ المعترف بها والمبالغ المتنازع عليها وتحديد للمطالبات التي جرى تسويتها بالمقاصة أو الوفاء أو الإبراء حتى لا تتداخل الحقوق عند انتهاء العلاقة التجارية أو انتقالها إلى القضاء.

ولا يعني ذلك أن كل شركة تحتاج إلى اتفاق مقاصة مكتوب في جميع معاملاتها لأن القانون أجاز المقاصة الجبرية عند توافر شروطها لكن وجود توثيق واضح للحسابات وللتسويات الاختيارية يقلل الخلاف بشأن أصل المديونية ومقدارها ويجعل تحديد الرصيد المتبقي أكثر وضوحا عند نشوء النزاع.

إن المقاصة القانونية ليست مجرد طريقة محاسبية لتخفيض الأرقام في دفاتر الشركات بل نظام قانوني يرتبط بانقضاء الالتزامات ويؤثر في المطالبات القضائية والحقوق المالية والضمانات التي قد تكون قد نشأت لمصلحة الغير.

والنتيجة أن الشركة التي تواجه مطالبة بدين تجاري في العراق لا تكون ملزمة دائما بدفع كامل المبلغ نقدا إذا كانت دائنة للطرف نفسه بدين مقابل تتوافر فيه شروط المقاصة لكنها لا تستطيع في المقابل أن تسقط الدين المطلوب منها بمجرد الادعاء بوجود مستحقات أخرى دون إثباتها والتمسك بالمقاصة وفقا للقانون.

وقد يكون الفرق بين خسارة دعوى مالية بكامل قيمتها وبين تخفيض المبلغ المطالب به هو وجود دين مقابل لم يجر الانتباه إليه أو لم يقدم إلى المحكمة بصورة صحيحة كما قد يكون الفرق بين تسوية ناجحة ونزاع طويل هو صياغة اتفاق واضح يحدد المبالغ التي تنقضي والحقوق التي تبقى قائمة بعد المقاصة.

فالعدالة في المعاملات التجارية لا تعني إلزام كل طرف بدفع ما عليه مع تجاهل ما له ولا تعني أيضا السماح لأي مدين بحبس مستحقات الآخرين بحجة وجود مطالبات مقابلة غير ثابتة وإنما تقتضي النظر إلى الالتزامات المتبادلة في ضوء أحكام القانون والأدلة التي تثبتها.

وهنا تكمن أهمية المقاصة في القانون المدني العراقي فهي لا تمنح المدين حق الامتناع المطلق عن الوفاء ولا تسلب الدائن حق المطالبة وإنما تمنع بقاء دينين متقابلين في الحدود التي يجيز القانون انقضاءهما وتعيد تحديد ما يستحقه كل طرف على أساس مركزه المالي الحقيقي.

ولذلك فإن السؤال الأهم عند نشوء نزاع مالي بين شركتين لا ينبغي أن يكون دائما كم يبلغ الدين الذي تطالب به إحداهما بل ما إذا كانت هناك ديون مقابلة ثابتة ومستحقة يمكن أن تؤثر في مقدار الالتزام النهائي لأن حماية الحقوق التجارية لا تتحقق بمجرد إصدار الأحكام بالمبالغ المطالب بها وإنما تبدأ من تحديد ما بقي مستحقا فعلا بعد تطبيق القواعد القانونية التي تنظم انقضاء الديون.