صلاحيات المدير المفوض في قانون الشركات العراقي: متى تلتزم الشركة بعقوده ومتى تقوم مسؤوليته الشخصية؟

المحامي ايوب حميد

المدير المفوض في قانون الشركات العراقي هو الشخص الذي يتولى إدارة الشركة وتمثيلها ضمن الصلاحيات الممنوحة له لكن توقيعه على عقد تجاري لا يجعله مدينا شخصيا بالالتزامات الناشئة عنه كما أن حمله صفة المدير المفوض لا يمنحه سلطة التصرف بأموال الشركة دون حدود فمسؤولية الشركة ومسؤولية مديرها مسألتان مختلفتان يحكمهما القانون وطبيعة التصرف.

قد يوقع المدير المفوض عقد تجهيز بمئات الملايين ثم تعجز الشركة عن دفع الثمن فيتوجه المورد إلى المدير شخصيا مطالبا بالمبلغ لأنه وقع العقد وقد يحدث العكس عندما ترفض الشركة الوفاء بحجة أن مديرها تجاوز صلاحياته وهنا تظهر مشكلة قانونية لا تحسم بمجرد النظر إلى التوقيع أو ختم الشركة.

وقد نظمت المادة 121 من قانون الشركات العراقي رقم 21 لسنة 1997 المعدل تعيين المدير المفوض وتحديد اختصاصاته وصلاحياته من مجلس الإدارة في الشركة المساهمة ومن الهيئة العامة في الشركات الأخرى وبذلك فإن صفة المدير لا تنفصل عن القرار الذي منحه سلطة الإدارة وحدود هذه السلطة.

أما المادة 123 فقد أسندت إليه الأعمال اللازمة لإدارة الشركة وتسيير نشاطها ضمن الصلاحيات المقررة له ووفقا لتوجيهات الجهة التي عينته وهذا يعني أن إدارة النشاط المعتاد تختلف عن إجراء تصرفات استثنائية قد تتطلب موافقات خاصة.

ولنفترض أن شركة محدودة المسؤولية في بغداد منحت مديرها صلاحية إبرام عقود تجهيز لا تتجاوز مائتي مليون دينار ثم وقع عقدا بأربعمائة مليون دون الحصول على الموافقة المطلوبة فهل تلتزم الشركة بالعقد أم يتحمل المدير نتائجه شخصيا.

لا تكفي مخالفة التعليمات الداخلية وحدها لإعطاء إجابة واحدة في جميع الحالات بل ينبغي فحص طبيعة القيد وسلطة التمثيل ومدى علم المتعاقد به وما إذا كانت الشركة أجازت التصرف أو استفادت منه بصورة تترتب عليها آثار قانونية.

فقد تتسلم الشركة البضاعة وتستعملها وتسدد جزءا من الثمن ثم تدفع لاحقا بعدم صلاحية المدير وقد ترفض العقد منذ البداية ولا يصدر عنها ما يفيد قبوله والفرق بين الحالتين مؤثر في تقدير الالتزام وفقا للقواعد القانونية الواجبة التطبيق.

ومن الأخطاء الشائعة الاعتقاد بأن وجود ختم الشركة يكفي لإثبات مشروعية كل تصرف يصدر باسمها فالختم وسيلة لتوثيق المستند لكنه لا يغني عن التحقق من صفة الموقع ونطاق سلطته وخاصة في القروض والضمانات والتصرفات المتعلقة بأصول الشركة.

وفي المقابل فإن المدير الذي يوقع عقدا صحيحا باسم الشركة ولحسابها لا يصبح ضامنا شخصيا للثمن لمجرد أنه وقع المستند فالشركة تتمتع بذمة مالية مستقلة وفق الأحكام التي تحكم نوعها وتكون المطالبة بالدين موجهة إلى المدين الذي نشأ الالتزام في ذمته.

لكن النتيجة تختلف عندما يقدم المدير كفالة شخصية أو يلتزم باسمه المستقل أو يرتكب فعلا ينشئ مسؤوليته وفقا للقانون ولذلك يجب التمييز بين توقيعه ممثلا للشركة وتوقيعه مدينا أو ضامنا إلى جانبها.

ولا تعني استقلالية ذمة الشركة أن المدير يتمتع بحصانة عن أخطائه فقد أخضعت المادة 124 من قانون الشركات المدير المفوض لأحكام المادتين 119 و120 المتعلقتين بتضارب المصالح وواجب العناية في إدارة شؤون الشركة.

وتظهر خطورة تضارب المصالح عندما يتعاقد المدير على شراء معدات من شركة يملك فيها حصة أو تربطه بأصحابها منفعة مالية فقد يكون العقد مفيدا للشركة وقد يكون وسيلة لتحويل أموالها إلى أطراف مرتبطة بالإدارة وهنا تصبح إجراءات الإفصاح والموافقات القانونية ضرورة لا مجرد إجراء شكلي.

وقد أعاد الأمر رقم 64 لسنة 2004 تنظيم المادة 119 بما يتصل بالإفصاح عن المصالح المباشرة وغير المباشرة والحصول على الأذونات المطلوبة ولا يجوز الاعتماد على النصوص القديمة عند تقييم معاملة جرت بعد التعديل.

أما واجب العناية الذي تناولته المادة 120 فلا يعني أن المدير يضمن نجاح كل صفقة فقد يتخذ قرارا مدروسا ثم تنخفض الأسعار أو تتغير ظروف السوق فتخسر الشركة دون أن يعني ذلك بالضرورة وقوع خطأ موجب للمسؤولية.

لكن الخسارة الناتجة عن إهمال واضح أو تجاوز للصلاحيات أو إخفاء مصلحة شخصية تثير بحثا مختلفا يتعلق بما كان يتعين على المدير فعله ومدى الضرر الذي أصاب الشركة وعلاقته بالمخالفة.

وفي تقديري فإن أخطر ما تواجهه بعض الشركات العراقية ليس اتساع صلاحيات المدير المفوض وإنما غموضها فقد تمنحه الهيئة العامة سلطة إدارة النشاط ثم تترك الحدود المالية للعقود والاقتراض والتسويات دون تنظيم واضح وعندما ينشأ النزاع يبدأ كل طرف بتفسير الصلاحيات بما يخدم موقفه.

وتزداد أهمية ذلك عند توقيع تسوية مالية تتضمن إقرارا بدين أو التنازل عن مطالبة ثابتة للشركة فإدارة الأعمال اليومية لا تعني بالضرورة امتلاك سلطة التصرف بجميع الحقوق المالية دون الرجوع إلى الجهة المختصة عندما يوجب القانون أو قرار التفويض ذلك.

وقد أتاح قانون تعديل الشركات رقم 17 لسنة 2019 تعيين نائب للمدير المفوض يمارس صلاحياته عند غيابه ويعين بالطريقة نفسها لكن وجود النائب لا يعني أن صلاحياته قائمة دون مراعاة شروط التعيين والغياب وأثرها في التصرف محل النزاع.

ولهذا فإن المورد أو المصرف الذي يتعامل مع شركة عراقية ينبغي أن يتحقق من قرار التعيين والصلاحيات ذات الصلة بالعقد لا أن يكتفي بالصفة المكتوبة على بطاقة العمل كما ينبغي للشركة أن تحدث بيانات إدارتها عندما يتغير المدير أو تنتهي صلاحياته.

وتظهر أهمية هذا التمييز أمام محاكم البداءة في دعاوى المطالبات المالية ونزاعات الشركات فقد تكون الدعوى متعلقة بدين على الشركة وقد تكون مطالبة بتعويض عن ضرر سببه مديرها السابق وقد تتعلق بعقد تجاوز فيه ممثلها صلاحياته ولكل حالة أساس مختلف في الخصومة والإثبات.

والمسؤولية الشخصية للمدير المفوض لا تنشأ تلقائيا من تعثر الشركة كما لا تنتفي لمجرد أنه تصرف باسمها وإنما تحتاج إلى تحديد الفعل المنسوب إليه ومصدر التزامه والشروط القانونية لقيام مسؤوليته.

إن الإدارة التجارية تحتاج إلى سرعة اتخاذ القرار لكنها تحتاج أيضا إلى رقابة تمنع إساءة استعمال السلطة فلا يصح تعطيل كل معاملة بموافقات غير ضرورية ولا يجوز ترك التصرف بأموال الشركة دون حدود معلومة.

والنتيجة أن الشركة لا تحمى بتجريد مديرها من الصلاحيات ولا بمنحه سلطة مطلقة وإنما بتحديد اختصاصاته بصورة واضحة وتمكين المتعاقدين من التحقق منها ومساءلته عندما يثبت تجاوزها على نحو يرتب المسؤولية وفقا للقانون.