بودكاست جلسة علنية… حين يخرج القانون من المجلدات إلى الكاميرا

المحامي/ايوب حميد

هناك لحظات في حياة الشعوب يصبح فيها الحديث عن القانون ضرورة لا ترفا ، ومسؤولية لا تقتصر على المختصين. فالقانون، الذي يفترض أن يكون مظلة للعدالة، تحوّل مع مرور الوقت إلى منظومة صامتة لا يسمعها المواطن إلا عند وقوعه في مأزق، أو عند صدور قرار يغيّر مسار حياته دون أن يعرف أساسه. وبين النصوص الجامدة والواقع المضطرب، يتسع الفراغ الذي يسقط فيه الوعي القانوني.
من هذا الفراغ وُلدت فكرة جلسة علنية؛ أول بودكاست قانوني عراقي اعده واقدمه انا المحامي أيوب حميد تجربة هدفها إعادة القانون إلى الناس، وإعادته إلى مكانه الطبيعي في حياة كل فرد لم يكن الانتقال من قاعات المحاكم إلى عدسة الكاميرا مجرد تغيير وسيلة؛ بل تغيّر فلسفة كاملة من لغة مغلقة إلى لغة يفهمها الجميع، ومن أوراق ثقيلة إلى حوار حيّ.

لماذا جلسة علنية؟
لأن القانون فقد صوته في حياة الناس ولأن غياب الفهم يحوّل الإنسان إلى ضحية قبل أن يصبح خصما ولأن الظلم يتمدّد كلما ابتعدت المعرفةولأن الناس تستحق أن تسمع القانون… لا أن تخشاه.
على مدى أكثر من عشر سنوات في ممارسة المحاماة، شاهد مقدّم البرنامج كيف يخسر المواطن حقه بسبب معلومة لم يعرفها، أو إجراء لم يفهمه، أو عقد وقّع عليه دون وعي. ومن هنا جاءت الفكرة: مشروع قانوني تبسيطي… لا ترف إعلامي.

خمس حلقات تأسيسية… بلا مجاملة
اخترنا أن يكون الجزء الأول من جلسة علنية تأسيسيًا بحق؛ لا “محتوى خفيف”، ولا مواضيع للزينة، بل ملفات كبرى تمس الحياة اليومية للعراقيين. مدة كل حلقة تقارب الساعة، ويشارك فيها ضيوف من أصحاب التخصص.
1.السلطات في الدستور العراقي: من يحكم هذا البلد؟
نقاش يذهب إلى المعنى بدل القراءة الجامدة: من يشرّع؟ من ينفّذ؟ من يراقب؟ وكيف ينعكس غياب الوعي الدستوري على حياة المواطن؟
2. مهنة المحاماة: أكثر من بدلة سوداء
إعادة رسم صورة المحامي باعتباره خط الدفاع الأخير عن المواطن، لا خصمًا ولا وسيطا.
3. المخدرات… الجرح الذي يمشي على قدمين
مقاربة تكشف حجم الكارثة الاجتماعية والأمنية بعيدًا عن حصر الحوار في العقوبات.
4. القراءة القانونية… معرفة تمنح المحامي القوة للدفاع عن موكله.
5. تعديل قانون الأحوال الشخصية… لأن الأسرة قلب المجتمع قراءة مسؤولة لقانون يلامس حياة كل عائلة عراقية.

الوصول إلى الناس… حيثما كانوا
ولأن الهدف هو أن يصل القانون إلى كل بيت، نُشرت الحلقات عبر يوتيوب، وكذلك عبر تطبيق المنصة داخل العراق، لتكون المعرفة القانونية متاحة، بسيطة، ومجانية. المهم أن يسمع المواطن القانون بلغته هو، لا بلغة الكتب.

صعوبات التجربة الأولى… لكنها تستحق
لم يكن الانتقال من المرافعات إلى الكاميرا طريقًا معبّدًا. واجه البرنامج تحديات كبيرة:
•تبسيط اللغة القانونية دون الإخلال بدقتها
•إدارة حوار مدته ساعة دون ترهّل
•مناقشة قضايا حساسة دون خدش خصوصيات الناس
•إيجاد توازن بين الصراحة المهنية والحذر الإعلامي

لكن كل صعوبة تحولت إلى درس، وكل حلقة كانت خطوة إلى الأمام، وكل تعليق من الجمهور كان شاهدًا على أن القانون… حين يخرج من المجلدات ويتكلم بلغة الناس… يصل.

الوقفة الأولى أمام الكاميرا

كانت هذه التجربة أول ظهور لي أمام الكاميرا.
وإذا كنت كمحتمي معتادا على الوقوف أمام القضاة والخصوم، فإن الكاميرا لها رهبتها الخاصة؛ عدسة ترى كل شيء وتلتقط كل تردد لكن الرغبة في إيصال القانون ببساطة ووضوح ومسؤولية كانت أقوى من كل تردد.

ومع أن جلسة علنية قد يتوقف بين حين وآخر بسبب تكاليف الإنتاج ومتطلبات العمل الفني، فإن التوقف لا يعني النهاية. فالمشروع ولد ليستمر، وسيعود في أجزاء جديدة حال توفر الظروف التي تضمن جودة المحتوى واحترام رسالة البرنامج.

للضيوف… شكر يليق بالموقف
لا تنجح مشاريع كهذه بالكلام وحده؛ تحتاج إلى من يؤمن بها قبل أن يراها وكان ضيوف جلسة علنية جزءا أصيلا من نجاحه:
قدّموا وقتهم وخبرتهم وشجاعتهم، وكان حضورهم دعما حقيقيًا لفكرة نشر الوعي القانوني.

جلسة علنية… ليس بودكاست عادي ، بل موقف
الجزء الأول كان مجرد بداية؛ حجر أساس لمشروع يهدف إلى إعادة القانون إلى مكانه الطبيعي بين الناس القانون ليس نصا جامدا ولا عصا بيد السلطة، ولا شبحا يخشاه المواطن القانون حياة… وحق… وصوت.

كلمة أخيرة
قد لا يغيّر بودكاست واحد واقعًا كاملًا…لكن كلمة صادقة قد تغيّر مصير شخص وحلقة واضحة قد تمنع ظلما ومعلومة دقيقة قد تنقذ عائلة ومن هنا جاءت الصعوبة الحقيقية في هذه التجربة؛ فأنا محامٍ قبل أن أكون صاحب تجربة إعلامية، وقد كانت مواجهة الكاميرا تحديا لا يُستهان به لكن الإيمان برسالة البرنامج كان أقوى من كل عثرة ولهذا فإن الاستمرار في جلسة علنية ليس خيارا، بل مسؤولية
انتظرونا في الأجزاء القادمة… حين يتوفر دعم يليق بمشروع هدفه الأوّل: أن يصل القانون إلى الناس كما يستحقون.