الافلاس في القانون العراقي
|

شروط منح رخصة أمين الإفلاس: هل أنت مؤهّلٌ لواحدة من أخطر المهن القانونية في العراق؟

المحامية نور جواد الدليمي

منذ دخول نظام ممارسة مهنة أمناء الإفلاس رقم (7) لسنة 2025 حيّز التنفيذ، أصبح الطريق إلى هذه المهنة يشبه عبور بوابة دقيقة لا يمرّ منها إلا من جمع بين النزاهة القانونية، والقدرة المالية، والخبرة المهنية، والانضباط العالي. ولم يكن ذلك عبثاً؛ فالمشرّع أراد أن يضع بين يدي أمين الإفلاس مفاتيح أموال متعثرة، وشركات منهارة، وحقوق دائنين، ومصائر عاملين… وكلها لا تتحمل أي خطأ في الحكم أو انحراف في السلوك أو ضعف في الكفاءة.

وإذا كان كثيرون يتساءلون: ما الذي يجعل هذه المهنة بهذه الحساسية؟ فالجواب بسيط ومزلزل في آن واحد: أمين الإفلاس هو الشخص الذي يقف في اللحظة الأكثر هشاشة في تاريخ أي شركة أو تاجر، ويمتلك السلطة القانونية لإدارة أموالهم والتصرف بها وتقييمها وبيعها وتوزيعها. ولهذا شدّد النظام على شروط دقيقة، أراد بها فرز من يستحق ممارسة هذه المهنة عن غيره، وإبعاد كل من لا يصلح لها مهما كان اسمه أو خبرته الظاهرة.

الكفاءة القانونية والمالية أساس لا بديل عنه

عند قراءة نصوص النظام، يتضح أن المشرّع لم يكتفِ بالمؤهلات النظرية، بل بحث عن “الشخص الكامل” مهنياً وأخلاقياً. فلا يكفي أن يكون المتقدّم محامياً أو محاسباً أو خبيراً، بل يجب أن يكون ذا سجل مهني نقي، وسيرة مالية خالية من العثرات، وأن يثبت قدرته على إدارة أموال الغير دون خوف من المسؤولية أو ميل نحو المجاملة. وهنا تتقدم أهمية شرط السمعة الحسنة وعدم المعاقبة في جرائم مخلة بالشرف أو ماسة بالنزاهة، إذ لا يمكن لأي نظام اقتصادي أن يضع الشركات المتعثرة بين أيدي أشخاص سبق أن أخلّوا بالثقة العامة أو تصرفوا في المال بغير حق. كما أن التثبت من أهلية المتقدم المالية يعكس رؤية صائبة: من كان عاجزاً عن تنظيم شؤونه، لا يستطيع أن ينظم شؤون الآخرين.

الخبرة العملية شرط جوهري لا مجرد تفصيل

لم يعد الوصول إلى مهنة أمين الإفلاس ممكناً بمجرد امتلاك شهادة أو لقب مهني، بل إن النظام يشترط خبرة حقيقية في مجالات المحاسبة أو القانون أو الاستشارات المالية أو إدارة الشركات. والسبب واضح: الإفلاس ليس نصاً قانونياً يُقرأ، بل عملية معقدة تتشابك فيها عناصر مالية وتجارية ونفسية وإدارية، تبدأ من تقييم الأصول والخصوم، وتمتد إلى بيع الموجودات، وتنتهي إلى توزيع الحقوق على الدائنين وفق درجات امتيازهم. ولهذا، فإن المشرّع أراد أميناً يفهم لغة الأرقام كما يفهم لغة النصوص، ويجيد قراءة القوائم المالية كما يجيد قراءة الأحكام القضائية، ويعرف كيف يدير الوقت، وكيف يضبط السجلات، وكيف يتعامل مع أصحاب المصالح المتعارضة دون أن يفقد حياده.

النزاهة والسلوك الوظيفي: الركن الذي لا يقوم النظام بدونه

من بين جميع الشروط التي وردت في النظام، يبقى الشرط الأخلاقي هو الأكثر عمقاً وتأثيراً. فأمين الإفلاس سيكون في مواجهة ضغوط هائلة: دائنون يطالبون بسرعة البيع، ومدينون يبحثون عن فرصة للإنقاذ، وجهات حكومية تريد الامتثال للقانون، وشركات تنتظر أن ينتهي الملف كي تعود للعمل. وهذه البيئة لا يصلح فيها إلا شخص “ينجو من الإغراء قبل أن ينجو من الاتهام”. ولذا شدّد النظام على ضرورة الالتزام بميثاق شرف مهني، والخضوع لرقابة وزارة العدل، وإمكان مساءلة الأمين تأديبياً أو جزائياً إذا أخلّ بواجباته أو أثرى على حساب ذوي الحقوق.

إجراءات الحصول على الرخصة: مسار صارم يضمن أهلية المتقدم

عملية الترخيص ليست شكلية ولا روتينية، بل تتضمن مراحل دقيقة تبدأ بتقديم الطلب، مروراً بفحص الوثائق والسيرة والسلوك المهني، ووصولاً إلى قرار لجنة أمناء الإفلاس التي تملك حق الموافقة أو الرفض. وهذا المسار يعبّر عن رؤية جديدة للدولة: لا إفلاس بلا تنظيم، ولا تنظيم بلا أشخاص مؤهلين، ولا أهلية بلا اجراءات دقيقة. كما أن منح الرخصة لمدة محددة وتجديدها بشروط جديدة يعكس إدراك المشرّع لطبيعة المهنة المتغيرة، وأن الخبرة وحدها لا تكفي ما لم تتجدد وتتعزز بالتدريب والتطوير المهني.

خاتمة: لماذا يهمّك أن تعرف هذه الشروط؟

سواء كنت محامياً تفكر بدخول هذا التخصص، أو محاسباً تتطلع لتوسيع نطاق عملك، أو شركة تبحث عن أمين إفلاس لإدارة ملفك، فإن فهم شروط الترخيص هو الخطوة الأولى نحو بيئة اقتصادية أكثر أماناً وشفافية. إن مهنة أمين الإفلاس ليست وظيفة إضافية، بل ركن أساسي في حماية الاقتصاد، وتنظيم السوق، وضمان حقوق المستثمرين والدائنين والمدينين على حد سواء.

وإذا كنت مستثمراً أو صاحب شركة أو تحتاج إلى رأي متخصص في إدارة التفليسات أو المنازعات التجارية المتعلقة بالإفلاس، فنحن نرحب بأي طلب للاستشارة أو التمثيل القانوني ضمن أعلى المعايير المهنية، لضمان حماية حقوقك واتخاذ القرار الصحيح في اللحظة التي لا تحتمل الخطأ.

امين التفليسة في القانون العراقي