حقوق المودعين عند إفلاس المصارف: قراءة قانونية عميقة في حماية أموال الجمهور في العراق
عندما ينهار مصرف أو يواجه خطر الإفلاس، ينهار معه شعور الناس بالأمان، وخصوصاً المودعين الذين يوظّفون أموالهم في النظام المصرفي على أمل الاستفادة من خدماته وحماية مدخراتهم. الإفلاس بالنسبة إليهم ليس مجرد مشكلة قانونية، بل أزمة اجتماعية واقتصادية ونفسية. ولهذا وضع القانون العراقي نظاماً دقيقاً، يكاد يكون من أكثر الأنظمة المالية تفصيلاً، يهدف إلى حماية المودعين وضمان الحد الأدنى من حقوقهم حتى في أسوأ السيناريوهات. ومن خلال المواد الممتدة من 80 إلى 98 من قانون المصارف رقم 94 لسنة 2004، يتضح كيف بنى المشرّع منظومة متكاملة تبدأ بتعيين الحارس القضائي وتنتهي بتوزيع المدفوعات، مروراً بتسجيل المطالبات وترتيب الأولويات، وهي منظومة تعلن بوضوح أن المودع هو الطرف الأهم الذي يجب أن تُصان حقوقه قبل أي طرف آخر.
الحارس القضائي: الجدار الأول في حماية المودعين عند إفلاس المصرف
يبدأ القانون رحلة حماية المودعين عبر المادة 80 التي تحدد دور الحارس القضائي بوصفه المفصل الأول والأكثر حساسية في إدارة حالة الإفلاس. هذا الحارس ليس موظفاً عادياً ولا وكيلاً تجارياً، بل هو شخصية قانونية متخصصة تختارها المحكمة من قائمة يرشحها البنك المركزي العراقي. أهم ما في دوره أنه يصبح المسؤول الأول عن إدارة موجودات المصرف، وتسيير أعماله، وحماية أصوله من التلاعب، بما يضمن أن كل دين، وكل عقد، وكل موجود، يتم التعامل معه بطريقة تحمي مصالح المودعين والدائنين على حد سواء.
ويزيد القانون من قوة موقع الحارس القضائي عندما يحمّله مسؤولية تعظيم قيمة الموجودات وتقليل الخسائر لأقصى حد ممكن. وهذا يعني أن الحارس مُلزم، وفق المادة 80، بالسعي للحصول على أفضل الأسعار عند بيع الأصول، وبإدارة التصفية بطريقة عادلة ومتوازنة، وهو ما يمنح المودعين طمأنينة بأن أموالهم لن تضيع في صخب الإفلاس أو في سوء الإدارة.
قد يهمك ايضاً: شاهد البوكاست القانوني الاول في العراق
صلاحيات الحارس القضائي: السيطرة الكاملة لضمان عدم ضياع حقوق المودعين
المادة 81 توسّع الدائرة؛ فعندما يُعين الحارس القضائي يصبح هو الممثل القانوني الوحيد للمصرف، ويتولى كامل الصلاحيات التي كانت بيد الإدارة. يحتفظ بالدفاتر والسجلات، يدير التصرفات المالية، ويُخاطب الدائنين والمقترضين. بل إن طلبات الدائنين—ومنهم المودعون—تُقدّم إليه مباشرة، مما يجعل الحارس القضائي هو نقطة الارتكاز الأساسية لحماية حقوقهم.
بهذا التصميم، يمنع القانون أي محاولة للالتفاف، أو إخفاء المعاملات، أو تهريب الموجودات، وهو ما يضمن أن كل خطوة تخدم الهدف الأكبر: حماية المودعين.
مفعول قرار الإفلاس: حماية أموال المودعين من اللحظة الأولى
المادة 82 تحدد لحظة انفصال المصرف عن قدرته على العبث بأموال الناس. ففور صدور قرار إقامة دعوى الإفلاس، يتوقف المصرف نهائياً عن استلام أي ودائع جديدة، وتصبح كل الأعمال التي يجريها بعد القرار باطلة، إلا ما يوافق عليه الحارس القضائي ويعتبره مفيداً للمصرف.
هذا المبدأ مهم لأنه يمنع المصرف من الدخول في معاملة يمكن أن تُفضل أحد الدائنين أو تهدد حقوق الآخرين، وخاصة المودعين. كما تمنع المادة فرض الحجوزات أو بيع الموجودات لصالح دائن معيّن بعد الإفلاس، وبذلك يُغلق الباب أمام أي محاولة لإضعاف مركز المودعين القانوني.
تقرير الملكية والتصفية: الشفافية الكاملة لصالح المودعين
المواد 85 و93 تلزم الحارس القضائي بإعداد تقرير كامل عن موجودات المصرف ومطلوباته، وعن العقود النافذة، وعن العمليات التي تمت قبل الإفلاس. هذه التقارير تُسلّم إلى البنك المركزي وتُتاح لاحقاً للدائنين، مما يمنح المودعين حق الاطلاع على كل ما يجري خلف الكواليس، ويجعل القانون قائماً على مبدأ الشفافية، الذي يعد حجر الزاوية في حماية الحقوق.
تسجيل المطالبات وقبولها: ضمان أن المودع لا يحتاج إلى القتال من أجل حقه
تُشكّل المواد 86 و87 العمود الفقري في حماية حقوق المودعين. فالمودعون لا يحتاجون لتقديم طلبات معقّدة أو مراجعات طويلة، لأن القانون يُسهّل لهم الطريق عبر اعتماد المبالغ المدرجة في دفاتر المصرف تلقائياً دون الحاجة لإثبات أو تسجيل إضافي. هذا الامتياز التشريعي يميزهم عن باقي الدائنين ويجعل حقوقهم محمية حتى قبل دخولهم إلى مرحلة النزاعات القانونية.
وهذا التفصيل يُعد من أهم ضمانات حماية المودعين في القوانين المصرفية الحديثة، لأنه يعترف بأن المودع هو الطرف الأضعف في معادلة الإفلاس، ويجب أن تكون الإجراءات بالنسبة إليه سهلة وسريعة وواضحة وغير مرهقة.
أولوية المدفوعات: المودع أولاً… بقرار من القانون
المادة 92 هي قلب حماية المودعين، فهي التي تحدد ترتيب الأولويات، وتضع المودعين في المرتبة الأولى عندما تكون ودائعهم حتى خمسة ملايين دينار. هذا يعني أن المودع الصغير أو المتوسط محمي تماماً، وأن أمواله تُعاد إليه قبل أي طرف آخر، وقبل الدولة، وقبل الضرائب، بل وحتى قبل أصحاب الأسهم أنفسهم الذين يُعتبرون آخر من يتلقى أي مبلغ.
ويزيد القانون هذا الحماية قوة عبر المادة 97 التي تمنح المودعين حق السلفة الفورية، بحيث يحصلون على مبلغ يصل إلى خمسة ملايين دينار مباشرة دون انتظار خطة التصفية. هذا الإجراء هو رسالة من المشرّع مفادها أن المودع ليس آخر من تُبحث حقوقه، بل أول طرف يجب أن يتلقى الحماية.
التصفية والبيع وإدارة الأصول: الحفاظ على القيمة لصالح المودعين
المواد 91 و93 تصف عملية دقيقة لبيع أصول المصرف بطريقة تجارية عادلة، وتحديد قيمتها من قبل مثمّنين مستقلين، وضمان أن كل دين مكفول يُسدَّد من الأصول المكفولة له، بحيث لا تتحمل حقوق المودعين أعباء ديون أخرى. هذا يجعل النظام محكمًا من الداخل، ويمنع اختلاط الحقوق أو طغيان دائن قوي على حساب مودع ضعيف.
الخلاصة: نظام قانوني بُني ليحمي المودعين قبل المصارف
من خلال المواد 80 إلى 98 يتضح أن المشرّع العراقي وضع إطاراً قانونياً متماسكاً يضمن للمودع حقوقه، سواء عبر تعيين الحارس القضائي، أو إيقاف أعمال المصرف، أو ترتيب الأولويات، أو تسهيل تسجيل المطالبات، أو فرض الشفافية، أو إلزام البنك المركزي بالإشراف الكامل على إدارة الإفلاس.
هذا النظام يرسل رسالة واضحة: أموال المودعين لن تضيع حتى لو سقط المصرف.
خاتمة
إذا كنت تبحث عن أفضل محامي في بغداد، أو أفضل محامي متخصص في الدعاوى المصرفية، أو أفضل محامي مصارف في العراق، فنحن لا ندّعي أننا كذلك، ولكن نرحب بكل استشاراتكم وطلبات التوكل عنكم، لتجدوا وتروا بأنفسكم مستوى التحليل والخبرة القانونية التي نضعها بين أيديكم.
