تعليمات تنفيذ العقود العامة رقم 1 لسنة 2025

الغرامات التأخيرية في عقود المقاولات

المحامي/ايوب حميد

ليست كل خسارة في مشاريع المقاولات تبدأ من انهيار المشروع أو فسخ العقد، بل قد تبدأ من يوم تأخير واحد. في بغداد كما في سائر العراق، يظن بعض المقاولين والشركات أن التأخير يمكن احتواؤه بكتاب إداري أو بتفاهم لاحق أو بتمديد غير محسوم، لكن الواقع القانوني أكثر صرامة. فالتأخير في تنفيذ عقد المقاولة قد يفتح باب المطالبة بالغرامات التأخيرية والتعويض وربما الفوائد القانونية، وقد يحول المشروع من فرصة ربح إلى ملف نزاع ثقيل أمام القضاء. ولهذا فإن فهم الغرامات التأخيرية في عقود المقاولات في العراق ليس مسألة فنية فقط، بل مسألة قانونية تمس الشركات والمقاولين والمستثمرين وأصحاب الإجازات الاستثمارية بصورة مباشرة.

والأساس القانوني لهذا الموضوع واضح في القانون المدني العراقي رقم 40 لسنة 1951. فالمادة 168 تقرر أن الملتزم إذا استحال عليه تنفيذ التزامه عيناً أو تأخر في تنفيذه حكم عليه بالتعويض ما لم يثبت أن الاستحالة أو التأخير نشأ عن سبب أجنبي لا يد له فيه. ثم جاءت المادة 169 لتبين أن المحكمة تقدر التعويض إذا لم يكن مقدراً في العقد أو بنص في القانون، وأن التعويض يشمل ما لحق الدائن من خسارة وما فاته من كسب إذا كان ذلك نتيجة طبيعية لعدم الوفاء أو التأخر. أما المادة 170 فقد أجازت للمتعاقدين تحديد قيمة التعويض مقدماً في العقد، أي ما يعرف عملياً بالشرط الجزائي أو الغرامات التأخيرية، لكنها قررت أيضاً أن هذا التعويض لا يستحق إذا أثبت المدين أن الدائن لم يلحقه ضرر، كما يجوز تخفيضه إذا كان التقدير فادحاً أو إذا نفذ الالتزام الأصلي في جزء منه. ثم جاءت المادة 171 لتقرر الفوائد القانونية عند التأخر في الوفاء بمبلغ من النقود بنسبة 4 بالمئة في المسائل المدنية و5 بالمئة في المسائل التجارية من تاريخ المطالبة القضائية ما لم يوجد اتفاق أو عرف أو نص خاص بخلاف ذلك.

وهنا تظهر الخطورة الحقيقية في عقود المقاولات وعقود الاستثمار في بغداد والعراق. فالغرامة التأخيرية ليست عبارة شكلية تكتب في العقد ثم تهمل، بل هي مركز قانوني كامل قد يحسم النزاع كله. ويؤكد القضاء العراقي هذا الاتجاه بوضوح، لأنه يتعامل مع حالة تأخر في تنفيذ عقد المقاولة بوصفها إخلالاً بالمدة التعاقدية يرتب استحقاق الغرامات التأخيرية متى ثبتت أسبابه وتحققت شروطه، مع اعتماد تقرير الخبرة أساساً في تكوين القناعة القضائية. وهذا ينسجم مع اتجاه محكمة التمييز الاتحادية في القرارين المرقمين 342 و343 الهيئة الاستئنافية منقول لسنة 2025، اللذين شددا على أهمية الاستعانة بخبراء مختصين في أعمال المقاولات والمحاسبة لدراسة أوليات إضبارة المقاولة وما يتعلق بمطالب الدعوى، لأن دعاوى المقاولات لا تحسم بقراءة عامة للعقد فقط، بل تحتاج إلى فحص فني ومالي دقيق.

لكن الأهم من ذلك أن القضاء العراقي لا يتعامل مع الغرامات التأخيرية بصورة آلية أو مطلقة. ففي القرار رقم 11819 الهيئة المدنية لسنة 2025 قررت محكمة التمييز الاتحادية أنه عند عدم وجود تنفيذ للعقد فلا يجوز المطالبة بالغرامات التأخيرية، كما بينت أن التحميلات الإدارية لا تفرض على عقود التجهيز وإنما على عقود الأشغال فقط. وهذا مبدأ بالغ الأهمية، لأن كثيراً من النزاعات في العراق تختلط فيها عقود المقاولات بعقود التجهيز أو عقود التنفيذ، فيقع الخلط بين ما يجوز المطالبة به وما لا يجوز. بمعنى آخر، ليس كل عقد متعثر يولد غرامات تأخيرية، بل يجب النظر أولاً إلى طبيعة العقد، ونطاق التنفيذ، ووجود إنجاز فعلي من عدمه.

وفي اتجاه آخر لا يقل أهمية، قررت محكمة التمييز الاتحادية في القرار رقم 1776 الهيئة الاستئنافية منقول لسنة 2025 أن المطالبة بالغرامات التأخيرية بعد صدور شهادة القبول النهائي وإبراء صاحب العمل إبراء عاماً تصبح فاقدة لسندها القانوني ما لم تكن هناك مطالبة تحريرية قبل صدور شهادة القبول النهائي، استناداً إلى المادة 64 فقرة 2 من الشروط العامة لمقاولات أعمال الهندسة المدنية. وهذه القاعدة تكشف أن الخطر لا يكمن فقط في التأخير نفسه، بل في إدارة الملف التعاقدي بعد التنفيذ أيضاً. فقد يقع التأخير فعلاً، لكن يضيع الحق في المطالبة به بسبب إبراء عام أو غياب تحفظ قانوني صحيح أو سكوت في التوقيت الخطأ.

أما في ملفات الاستثمار، فالمشهد يحتاج إلى دقة أكبر. فقد قررت محكمة التمييز الاتحادية في القرار رقم 63 الهيئة الموسعة المدنية لسنة 2025 أن بعض المنازعات المرتبطة بعقد استثماري قد تخضع للقانون المدني وتكون من اختصاص محكمة البداءة إذا لم تكن المنازعة متعلقة بأحكام قانون الاستثمار نفسها. وفي المقابل، قررت في القرار رقم 3605 الهيئة المدنية لسنة 2025 أن منح الإجازة الاستثمارية أو إلغاءها يدخل في صلاحية هيئة الاستثمار وفق المادة 28 أولاً ج ثانياً من قانون الاستثمار رقم 13 لسنة 2006 المعدل، وأن النظر في هذا النوع من النزاع ينعقد إلى محكمة القضاء الإداري. ومعنى ذلك أن النزاع الواحد في المشاريع الاستثمارية لا يعالج دائماً بمنطق واحد، بل يجب أولاً تحديد طبيعته بدقة: هل هو نزاع عقدي مدني، أم نزاع على الإجازة الاستثمارية نفسها، أم نزاع إداري يتعلق بقرار الجهة المانحة.

ولهذا فإن أقوى حماية قانونية للشركات والمقاولين والمستثمرين في بغداد والعراق لا تبدأ يوم رفع الدعوى، بل تبدأ يوم كتابة العقد. فالعقد القوي هو الذي يحدد مدة التنفيذ بدقة، وتاريخ المباشرة، وآلية طلب التمديد، وحالات القوة القاهرة، وأثر أوامر التغيير، وطريقة احتساب الغرامات التأخيرية، وسقفها، ومتى تتوقف، ومتى تسقط، وما أثر الاستلام الأولي والنهائي عليها. أما العقد الضعيف، فهو الذي يترك هذه النقاط مبهمة ثم يفتح الباب لنزاع طويل قد لا يحسمه إلا تقرير خبرة وقرار تمييزي بعد سنوات. ومن هنا فإن صياغة عقود المقاولات وعقود الاستثمار والإجازات الاستثمارية يجب أن تكون عملاً قانونياً احترافياً لا مجرد إجراء شكلي ينجز على عجل.

إذا كنت تمتلك شركة، أو لديك إجازة استثمارية، أو كنت مقاولاً أو صاحب شركة تعمل في مشاريع التنفيذ أو التطوير أو التشييد أو البنى التحتية، وتبحث عن محامٍ في بغداد مختص في عقود المقاولات وعقود الاستثمار والإجازات الاستثمارية ونزاعات الغرامات التأخيرية والتعويض وفسخ العقود، فإن هذا النوع من الملفات يحتاج إلى قراءة قانونية دقيقة للعقد والمستندات والمراسلات والإنذارات ومحاضر الاستلام وتوقيت المطالبة، لأن الفارق بين المطالبة الصحيحة والمطالبة الخاسرة قد يكون مادة قانونية واحدة أو إجراءً واحداً تم في الوقت الخطأ. تواصل معنا.