بين المحامي والموكل… لماذا يتحول التعاون إلى شك؟
المحامية نور جواد الدليمي
لا يكاد يخلو مكتب محام من مشهد يتكرر بصيغ مختلفة: مراجع يدخل وهو مثقل بتجربة سابقة، يبدأ حديثه بجملة حادة: “المحامي السابق باعني… أريد هذه المرة محامي ثقة وضمانات”.
وفي مشهد آخر، وبعد أشهر من السير في الدعوى، يتغير الخطاب: “لو جنت محامي سبع لما تأخرت القضية كل هذا الوقت”. وبين البداية والنهاية، يقف المحامي وهو يوازن بين واجبه المهني وقلق موكله، وبين جهده القانوني وتوقعات لا يملك تحقيقها.
هذه ليست حالات فردية، بل ظاهرة تكشف عن سوء فهم متبادل بين طرفين يفترض أن يكونا في خندق واحد.
حين يُطلب من المحامي ما ليس بيده
المشكلة الأولى تبدأ من تصور شائع لدى كثير من الموكلين: أن المحامي مسؤول عن النتيجة. وهذا التصور يبدو منطقياً ظاهرياً، لكنه غير دقيق قانوناً.
عمل المحامي يقع ضمن ما يُعرف بـ “بذل عناية لا تحقيق غاية”. بمعنى أن واجبه هو أن يبذل أقصى جهده، يستخدم خبرته، يقدّم دفوعه، ويصيغ دعواه بأفضل صورة ممكنة… أما النتيجة، فهي بيد المحكمة.
لنقترب من الواقع أكثر:
كم مرة سمعنا شخصاً يقول: “قضيتي واضحة 100%”؟ ومع ذلك، تصدر الأحكام أحياناً بغير ما يتوقعه. هل لأن المحامي ضعيف؟ أم لأن الوقائع والأدلة والتكييف القانوني معقدة بطبيعتها؟
الخلل لا يقف هنا، بل يتفاقم حين يستغل بعض المحامين هذا الجهل، فيقدمون وعوداً قاطعة بالفوز، وكأن الحكم يصدر من مكاتبهم لا من المحكمة. هذه الممارسات لم تمر دون رد، فقد واجهتها الجهات المهنية (نقابة المحامين) بالعقوبات، لأن الوعد بالنتيجة ليس فقط غير مهني… بل مضلل.
ثقافة “المجاني”… حين تكلّفك أكثر مما تتوقع
مشكلة أخرى أكثر خفاءً، لكنها شديدة التأثير: عدم اقتناع كثير من الناس بقيمة الاستشارة القانونية.
الاتصال بالمحامي، زيارته، مناقشة تفاصيل دعوى قد تغيّر حياة الشخص… كل ذلك يُراد له أن يكون مجاناً. والنتيجة؟ إجابات سريعة، غير مدروسة، أو تعامل غير جدي مع مسألة يفترض أن تُفحص بدقة.
في الواقع، كثير من الخسائر لا تبدأ من المحكمة… بل من استشارة غير مكتملة أو غير مدفوعة. خذ مثالاً بسيطاً من حياتنا اليومية:
لا أحد يقبل أن يفحصه طبيب مجاناً في مسألة دقيقة، ولا أن يصمم له مهندس مشروعاً دون مقابل، لكن عندما يتعلق الأمر بالمسائل القانونية – التي قد يترتب عليها ضياع حق أو مال – يتحول الأمر فجأة إلى “نصيحة عابرة”. ولهذا، فإن الاستشارة المدفوعة ليست عبئاً، بل وسيلة حماية.
ولهذا فانني قد طورت حلاً وسطاً بين هذا وذاك، فبين من يريد الحصول على استشارة مجانية، وبين من يريد ان يحصل على اتعاب محاماة مقابل الاستشارة، اعلنت لجميع موكليني المحتملين بانني اتقاضى مبالغ مالية لقاء الاستشارة، مع امكانية أستقطاعها من مبلغ اتعاب المحاماة للتوكل في الدعوى ان حصل اتفاق بيننا ومضوا في نية اقامة دعوى لهم.
المحامي أيضاً… جزء من المشكلة
ليس من الإنصاف أن تُلقى المسؤولية على الموكل وحده. فالمحامي، رغم اطلاعه الواسع على النصوص والقرارات، قد يغفل عن أمر أساسي وهو: فهم الناس.
القانون لا يُطبّق في فراغ، بل على بشر لديهم مخاوف، وتوقعات، وتجارب سابقة، وأحياناً شكوك متراكمة.
والمحامي الذي يكتفي باللغة القانونية، دون أن يفهم هذه الخلفيات، سيجد نفسه في مواجهة مستمرة مع موكليه.
في المقابل، نلاحظ أن المحامي الذي خَبِر السوق، وتعامل مع الناس خارج الإطار القانوني، غالباً ما يكون أقدر على إدارة العلاقة، حتى مع أصعب الشخصيات. ليس لأنه يملك نصوصاً أكثر… بل لأنه يفهم من يتعامل معهم.
حين تختفي المشكلة… نعرف السبب
ورغم كل ما سبق، هناك نماذج مختلفة تماماً: موكلون يمنحون ثقة، يتعاملون بوضوح، يدفعون أتعابهم دون جدل، ويتابعون دعواهم بهدوء. بل إن بعضهم لا يلتقي بالمحامي أصلاً، تتم الإجراءات كاملة عن بُعد، وتُنجز الأعمال بسلاسة.
الملاحظة اللافتة أن كثيراً من هؤلاء من التجار أو العاملين في السوق. ليس لأنهم درسوا القانون… بل لأنهم فهموا البشر. يعرفون أن كل عمل له مقابل، وأن العلاقة الناجحة تقوم على الثقة لا الشك، وعلى وضوح الأدوار لا الخلط بينها.
الخلاصة
ما بين المحامي والموكّل، ليست المشكلة في النوايا غالباً… بل في الفهم. الموكّل يريد نتيجة، والمحامي يملك وسيلة.
وما لم يُفهم هذا الفرق منذ البداية، سيبقى الشك حاضراً في كل مرحلة.
الحل ليس معقداً:
وعيٌ من الموكل بطبيعة عمل المحامي وحدوده.
ووضوح من المحامي في شرح دوره وتوقعاته.
وثقافة تقدر قيمة الاستشارة قبل أن تتحول المشكلة إلى دعوى.
حينها فقط، تتحول العلاقة من توتر دائم… إلى شراكة حقيقية.
