كيف تتعامل المحكمة مع إنكار التوقيع على الصك أو الكمبيالة في العراق
بقلم المحامي ايوب حميد.
إذا أنكر المدين توقيعه على الصك أو الكمبيالة فإن المحكمة لا تفترض صحة الإنكار ولا تهمل الورقة مباشرة بل تنتقل إلى فحص نسبة التوقيع وفق قواعد الإثبات فتسأل من نسب إليه السند عن توقيعه ثم تقرر المضاهاة إذا كان السند مؤثرا في الدعوى وتبقى قيمة الصك أو الكمبيالة معلقة على نتيجة هذا الفحص.
الصك والكمبيالة من أكثر الأوراق التي تستعمل في التعاملات المالية والتجارية في العراق وعندما تصل الخصومة إلى المحكمة يكون السؤال العملي المهم ليس فقط هل يوجد صك أو كمبيالة بل هل التوقيع الموجود عليها صادر فعلا من المدين أم لا.
الأصل في السند العادي وفق المادة 25 من قانون الإثبات العراقي رقم 107 لسنة 1979 أنه يعتبر صادرا ممن وقعه ما لم ينكر صراحة ما هو منسوب إليه من خط أو إمضاء أو بصمة إبهام ولهذا فإن الإنكار يجب أن يكون واضحا وصريحا ولا يكفي الكلام العام مثل لا أعترف بالدين أو لا توجد بيني وبين المدعي معاملة.
وعند إبراز الصك أو الكمبيالة أمام المحكمة تطبق المحكمة حكم المادة 39 من قانون الإثبات العراقي فإذا قدم المدعي سندا عاديا لإثبات دعواه يعرض على المدعى عليه وله أن يقر بإمضائه أو بصمة إبهامه أو ينكرها ويعتبر سكوته إقرارا.
معنى ذلك أن المحكمة تبدأ من موقف المدعى عليه تجاه التوقيع فإن أقر به ثبتت نسبة التوقيع إليه وتنتقل الخصومة بعد ذلك إلى الدفوع الأخرى الممكنة مثل الوفاء أو سبب الدين أو طريقة استعمال الورقة بحسب ظروف الدعوى أما إذا أنكر التوقيع صراحة فلا تنتقل المحكمة مباشرة إلى الحكم بالقيمة بل تسلك طريق الإثبات الفني.
تنص المادة 40 من قانون الإثبات العراقي على أنه إذا أنكر من نسب إليه السند خطه أو إمضاءه أو بصمة إبهامه وكان السند منتجا في الدعوى قررت المحكمة إجراء المضاهاة مع إيداع السند في صندوق المحكمة بعد تثبيت حالته وأوصافه والتوقيع عليه من القاضي أو رئيس الهيئة.
وهذه الخطوة مهمة جدا لأن المحكمة لا تفحص التوقيع كلاميا بل تحفظ أصل الورقة وتثبت أوصافها حتى لا يحصل تغيير أو عبث ثم تحيل مسألة التوقيع إلى المضاهاة بوصفها طريقا فنيا لمقارنة التوقيع المتنازع عليه مع تواقيع أو نماذج ثابتة.
وتجري المضاهاة وفق المادة 43 من قانون الإثبات العراقي تحت إشراف المحكمة بواسطة خبير أو أكثر يتفق الطرفان على اختيارهم فإن لم يتفقا عينتهم المحكمة وهذا يعني أن اختيار الخبير ليس مزاجيا بل يتم ضمن سلطة المحكمة وتحت رقابتها.
أما نماذج المقارنة فتخضع للمادة 48 من قانون الإثبات العراقي إذ تجري المضاهاة على الأوراق التي اتفق عليها الطرفان وإلا فتجري على الخط أو الإمضاء أو بصمة الإبهام الموضوعة على سندات رسمية أو سندات عادية أقر بها الخصم أو على أوراق جرى استكتابه عليها أمام المحكمة.
وقد تحتاج المحكمة إلى استكتاب المدين أو أخذ نموذج من توقيعه داخل المحكمة وفي هذه الحالة تلزمه بالحضور شخصيا لأن المسألة تتعلق بنسبة التوقيع لا بمجرد دفاع شفهي.
وتنص المادة 49 من قانون الإثبات العراقي على أن الخصم الذي ينازع في نسبة السند إليه يجب أن يحضر بنفسه للاستكتاب لأخذ نموذج من خطه أو إمضائه أو بصمة إبهامه في الموعد الذي تحدده المحكمة فإن امتنع عن الحضور بغير عذر جاز الحكم بثبوت نسبة السند إليه.
وهذا الحكم يعكس فكرة عملية مهمة وهي أن الإنكار ليس وسيلة لتعطيل الدعوى فقط فمن ينكر التوقيع يجب أن يتعاون مع المحكمة في إجراءات الفحص وإلا قد ينقلب امتناعه إلى قرينة قانونية ضده.
والفرق كبير بين إنكار التوقيع وادعاء التزوير فالمادة 34 من قانون الإثبات العراقي تقرر أن إنكار الخط أو الإمضاء أو بصمة الإبهام لا يرد إلا على السندات والأوراق غير الرسمية أما ادعاء التزوير فيرد على السندات الرسمية والعادية.
لذلك فإن المدين الذي يقول إن التوقيع ليس توقيعي يكون في باب الإنكار أما من يقول إن الورقة زورت أو بدلت أو أضيفت إليها بيانات على خلاف الحقيقة فقد يدخل في طريق ادعاء التزوير إذا توافرت شروطه وإجراءاته وهذا طريق مختلف وأكثر حساسية.
إذا انتهت المضاهاة إلى أن التوقيع عائد للمدين فإن السند يستعيد قوته في الإثبات وتتعامل المحكمة مع الصك أو الكمبيالة بوصفها دليلا قائما على المطالبة المالية ما لم يوجد دفع قانوني آخر مؤثر.
أما إذا جاءت نتيجة المضاهاة لمصلحة المنكر وثبت أن التوقيع لا يعود إليه فإن الورقة تفقد قيمتها تجاهه في حدود التوقيع المنكور ولا يجوز تحميل الشخص التزاما ماليا بناء على توقيع لم يثبت صدوره منه.
وتنص المادة 51 من قانون الإثبات العراقي على أنه إذا انتهت المحكمة إلى ثبوت صحة السند يحكم على من أنكره بغرامة ولا يخل ذلك بحق المتضرر في طلب التعويض أما إذا ثبت بعض ما ادعاه فلا يحكم عليه بشيء.
وهذا يعني أن الإنكار الكيدي قد يسبب ضررا لصاحبه خصوصا إذا ثبت أن التوقيع صحيح وأن الهدف كان إطالة أمد الدعوى أو تعطيل حق الدائن.
في القضايا التجارية داخل بغداد تظهر هذه المنازعات كثيرا بين الشركات والتجار وأصحاب العقود والمطالبات المالية خصوصا في مناطق تجارية مثل الكرادة والمنصور والحارثية والقادسية والجادرية وحي الجامعة حيث تتعامل المصارف والشركات والأفراد بالصكوك والكمبيالات ولهذا يبحث بعض الناس عن افضل محامي ببغداد أو افضل محامي قضايا تجارية ببغداد لكن الأهم من البحث هو عرض أصل الورقة والمستندات المساندة قبل اتخاذ أي خطوة.
ومن الأخطاء الشائعة أن يظن الدائن أن وجود الصك أو الكمبيالة يكفي دائما لإنهاء الدعوى بسرعة أو يظن المدين أن مجرد إنكار التوقيع يسقط المطالبة فورا والحقيقة أن المحكمة تفصل في الأمر من خلال إجراءات الإثبات ونتيجة الخبرة وظروف الدعوى.
كما أن المدين الذي يعترف بالتوقيع ثم يحاول لاحقا إنكار أصل الورقة قد يضع نفسه في موقف قانوني ضعيف لأن الإقرار بالتوقيع يغير طبيعة النزاع ويفتح بابا مختلفا للدفوع.
والدائن من جانبه يجب أن يحافظ على أصل الصك أو الكمبيالة وأي مراسلات أو عقود أو وصولات أو كشوف حساب تثبت سبب التعامل لأن النزاع قد لا يقف عند التوقيع فقط بل قد يمتد إلى أصل الدين وطريقة تسليم الورقة وسبب تحريرها.
الخلاصة أن المحكمة العراقية تتعامل مع إنكار التوقيع على الصك أو الكمبيالة بجدية وبإجراءات واضحة تبدأ بعرض السند ثم تثبيت موقف الخصم ثم إجراء المضاهاة والاستكتاب عند الحاجة ثم الحكم على ضوء النتيجة ولذلك يحتاج الدائن أو المدين إلى مراجعة محامي مختص قبل الإنكار أو قبل إقامة الدعوى إذا كانت الورقة بمبلغ كبير أو مرتبطة بشركة أو عقد أو مطالبة تجارية لأن الخطأ في أول جلسة قد يؤثر في مسار الدعوى كله.
أسئلة شائعة قصيرة :
هل يكفي أن أنكر التوقيع حتى تسقط الكمبيالة؟
لا لا يكفي الإنكار وحده لأن المحكمة قد تقرر المضاهاة وتفحص التوقيع فنيا قبل أن تحسم قيمة الورقة.
هل الصك أو الكمبيالة يعتبران دليلا إذا أنكر المدين التوقيع؟
يبقيان مطروحين أمام المحكمة لكن حجيتهما تجاه المنكر تتوقف على نتيجة إجراءات إثبات صحة التوقيع.
ماذا تفعل المحكمة بعد إنكار التوقيع؟
تعرض السند وتثبت الإنكار ثم تحفظ أصل الورقة وتقرر المضاهاة إذا كان السند منتجا في الدعوى.
هل يمكن للمحكمة أن تطلب من المدين توقيعا جديدا للمقارنة؟
نعم يمكن أن تطلب حضوره للاستكتاب وأخذ نموذج من خطه أو إمضائه وفق المادة 49 من قانون الإثبات العراقي.
ما الفرق بين إنكار التوقيع وادعاء التزوير؟
إنكار التوقيع يعني أن الشخص ينفي صدور الإمضاء عنه أما ادعاء التزوير فيتعلق بالطعن في صحة الورقة أو تغييرها أو اصطناعها وفق إجراءات خاصة.
ماذا يحدث إذا ثبت أن التوقيع صحيح؟
تتعامل المحكمة مع السند على أساس ثبوت نسبته لمن أنكره وقد تفرض عليه غرامة وفق المادة 51 من قانون الإثبات العراقي مع بقاء حق المتضرر بطلب التعويض.
متى أحتاج إلى محامي في دعوى صك أو كمبيالة؟
تحتاج إلى محامي قبل الإنكار أو قبل رفع الدعوى إذا كان المبلغ كبير أو توجد عقود أو مراسلات أو احتمال نزاع حول التوقيع أو سبب الدين.
عن الكاتب
المحامي ايوب حميد محامي عراقي في بغداد يعمل في القضايا التجارية والعقارية والمدنية وقضايا الشركات والضرائب والضمان الاجتماعي ومحاكم البداءة، ويقدم محتوى قانونيا مبسطا للجمهور العراقي من خلال مقالات قانونية وبودكاست جلسة علنية.