هل يمنع القانون العراقي تبني الأطفال حقاً؟
المحامية نور جواد الدليمي
أعاد فيديو الإعلامي المثير للجدل نزار الفارس مع إحدى مشاهير مواقع التواصل الاجتماعي فتح نقاش قانوني واجتماعي مهم، بعدما تحدثت صاحبة رواية “ما لم يولد” عن رغبتها في تبني طفل، وأشارت إلى أن القانون العراقي لا يسمح بذلك. وكما يحدث في كثير من الأحيان، تحولت العبارة بسرعة إلى حقيقة متداولة بين الناس، رغم أن الواقع القانوني أكثر تفصيلاً وتعقيداً من ذلك.
فمن الناحية القانونية البحتة، نعم، القانون العراقي لا يجيز التبني بصورته التقليدية المعروفة في العديد من دول العالم. ويرجع ذلك إلى أن التشريعات العراقية تأثرت في هذا الجانب بأحكام الشريعة الإسلامية التي لا تقر نظام التبني الذي يؤدي إلى إلحاق الطفل بنسب الأسرة المتبنية ومنحه مركز الابن الحقيقي من الناحية القانونية.
لكن التوقف عند هذه النقطة وحدها قد يؤدي إلى انطباع غير صحيح، وكأن القانون أغلق الباب تماماً أمام رعاية الأطفال الأيتام أو مجهولي النسب. والحقيقة أن المشرع العراقي حاول الوصول إلى حل مختلف، يحافظ من جهة على الأحكام الشرعية المتعلقة بالنسب، ويحقق من جهة أخرى مصلحة الأطفال الذين يحتاجون إلى أسرة تحتضنهم وتوفر لهم الرعاية والاستقرار.
ولهذا السبب استحدث القانون العراقي نظاماً قانونياً يُعرف باسم “الضم”. ويقوم هذا النظام على فكرة مختلفة عن التبني. فالطفل لا يصبح ابناً للزوجين من حيث النسب، لكنه ينتقل للعيش معهما وتربيتهما ورعايتهما بموجب قرار قضائي يصدر عن محكمة الأحداث بعد التحقق من مجموعة من الشروط الدقيقة.
فالقانون يشترط أن يتقدم الزوجان بطلب مشترك، وأن يكونا عراقيين، معروفين بحسن السيرة والسلوك، متمتعين بالأهلية العقلية، سالمين من الأمراض المعدية، وقادرين على إعالة الطفل وتربيته، فضلاً عن توافر حسن النية لديهما. ولا تكتفي المحكمة بالاطلاع على الأوراق الرسمية، بل تسعى إلى التحقق من أن المصلحة الحقيقية للصغير تقتضي الموافقة على طلب الضم.
ولا يقف الأمر عند هذا الحد، فالقانون العراقي ذهب إلى أبعد من ذلك من خلال نظام آخر يُعرف بالأسرة البديلة. ويقوم هذا النظام على فكرة أن الطفل المحتاج للرعاية قد يكون في بعض الأحيان بحاجة إلى بيئة أسرية مستقرة أكثر من حاجته إلى البقاء داخل مؤسسة إيوائية. ولهذا أجاز القانون لمحكمة الأحداث أن تسلم الصغير أو الحدث إلى شخص تتوافر فيه شروط محددة، منها حسن السيرة والسلوك، والقدرة المالية، واتحاد الجنسية والدين، مع إلزامه بتعهد مالي مناسب، وترك الطفل تحت رقابة ومتابعة الجهات المختصة للتأكد من حسن تربيته ورعايته.
ومن هنا يتضح أن السؤال الحقيقي ليس: هل يمنع القانون العراقي التبني؟ بل ربما يكون السؤال الأدق: ما البدائل التي وضعها القانون لتحقيق الغاية الإنسانية التي يسعى إليها التبني؟
فالغاية في الحالتين واحدة تقريباً، وهي توفير الرعاية والحماية والاستقرار لطفل فقد أسرته أو لم تُعرف أصوله، لكن الطريق القانوني الذي اختاره المشرع العراقي مختلف عن الطريق المتبع في أنظمة قانونية أخرى.
وربما تكشف هذه الواقعة عن أهمية التمييز بين المصطلحات القانونية واللغة اليومية التي يستخدمها الناس. فكثير من الأشخاص عندما يقولون “أريد تبني طفل” فإنهم يقصدون في الحقيقة احتضانه وتربيته والاعتناء به، بينما ينظر القانون إلى كلمة “التبني” باعتبارها نظاماً قانونياً محدداً له آثار تتعلق بالنسب والهوية والحقوق الأسرية.
ولهذا فإن القانون العراقي لا يغلق الباب أمام من يرغب في رعاية طفل أو توفير أسرة له، لكنه يشترط أن يتم ذلك عبر الأطر القانونية التي رسمها، وفي مقدمتها الضم ونظام الأسرة البديلة، وبإشراف القضاء والجهات المختصة، حفاظاً على مصلحة الطفل وضماناً لحسن رعايته في المستقبل.
وفي النهاية، قد يختلف الناس حول أفضل الطرق لتحقيق هذه الغاية الإنسانية، لكن المؤكد أن صورة المسألة قانونياً ليست بالبساطة التي تظهر في مقاطع الفيديو القصيرة أو النقاشات المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي، وأن فهم التفاصيل القانونية الكاملة كثيراً ما يكشف جانباً آخر من الحقيقة لا يظهر للوهلة الأولى.