حجية الدفاتر التجارية في القانون العراقي لماذا لا تكفي حسابات الشركة لإثبات ديونها أمام القضاء؟

المحامي/ ايوب حميد

قد تحتفظ شركة عراقية بسجلات محاسبية منتظمة تثبت أن أحد المتعاملين معها مدين بمبلغ كبير. وقد تظهر المديونية في دفتر الأستاذ والميزانية السنوية وكشوف الحساب الصادرة من النظام المحاسبي. لكن عندما تنتقل المطالبة إلى المحكمة تظهر حقيقة قانونية مهمة. فالقيود التي تنظمها الشركة لإثبات مركزها المالي لا تتحول بمجرد انتظامها إلى دليل ملزم للخصم. وهذا التمييز بين صحة القيد المحاسبي وحجيته القضائية يمثل إحدى المسائل الأساسية في منازعات الديون التجارية في العراق.

ينظم قانون التجارة العراقي رقم 30 لسنة 1984 التزامات التاجر المتعلقة بمسك الدفاتر التجارية. وقد أوجبت المادة 12 على التاجر الذي لا يقل رأس ماله عن ثلاثين ألف دينار إمساك الدفاتر التي تتطلبها طبيعة تجارته وأهميتها بطريقة تكفل بيان مركزه المالي. وحددت دفتر اليومية ودفتر الأستاذ ضمن الدفاتر الواجب إمساكها في الحالات المشمولة بالنص.

وتكشف هذه القاعدة أن الدفاتر التجارية ليست مجرد وسيلة اختيارية لتنظيم الحسابات. بل تمثل التزاما قانونيا يرتبط بممارسة النشاط التجاري. غير أن وجود هذا الالتزام لا يعني أن المشرع منح كل قيد يرد في الدفاتر قوة إثبات مطلقة أمام القضاء.

فقد قررت المادة 28 من قانون الإثبات العراقي رقم 107 لسنة 1979 أن القيود الواردة في الدفاتر التي يوجب القانون مسكها لا تكون حجة لصاحبها سواء كانت منتظمة أم غير منتظمة. وفي المقابل أجازت أن تكون هذه القيود حجة على صاحبها بشرط عدم تجزئة الإقرار المثبت فيها.

وهنا يظهر اختلاف جوهري بين الوظيفة المحاسبية للدفتر التجاري ووظيفته القانونية في الإثبات. فالمحاسبة تهدف إلى تسجيل العمليات وتحديد المركز المالي. أما الإثبات القضائي فيتعلق بإقامة الدليل على وجود الحق أو انقضائه في مواجهة شخص آخر. ولا يجوز افتراض التطابق بين الوظيفتين.

ولنفترض أن شركة لتجهيز المواد الإنشائية أقامت دعوى للمطالبة بمبلغ مستحق عن تجهيزات سابقة. وقدمت كشف حساب صادر عن نظامها المحاسبي يظهر اسم المدين وتواريخ الفواتير والمبالغ غير المسددة. قد يكون الكشف صحيحا من الناحية الحسابية. لكنه يظل صادرا عن الشركة المطالبة بالدين. ولذلك فإن الاستناد إليه وحده لا يمنحه الحجية التي يتطلبها إثبات الالتزام في مواجهة الخصم.

ولا يعني ذلك أن كشف الحساب عديم الفائدة. فقد يساعد في تحديد العمليات محل النزاع وتنظيم المطالبة وربط المستندات بعضها ببعض. كما يمكن أن يكون موضوعا للفحص والمطابقة مع الأدلة الأخرى. لكن قيمته العملية لا ينبغي الخلط بينها وبين حجية السندات أو الإقرارات التي يعتد بها قانونا.

وتظهر أهمية هذا التمييز عندما تقدم الشركة عقود التجهيز والفواتير وأوامر الشراء ووصولات التسليم والمراسلات التي تثبت قبول البضاعة أو الخدمة. فهذه المستندات قد تتيح للمحكمة التحقق من أصل الالتزام ومقداره ومدى تنفيذه. ويخضع كل مستند منها لقواعد الإثبات المناسبة لطبيعته ومدى صحة نسبته إلى الطرف الذي يراد الاحتجاج عليه به.

وقد يكون العقد موقعا من الطرفين بينما لا تحمل الفواتير توقيع المشتري. وقد تكون البضاعة قد سلمت بموجب وصولات تتضمن أسماء أشخاص لم تتضح صفتهم في الاستلام. وقد تظهر تحويلات مصرفية دون بيان كاف للالتزام الذي سددت عنه. وفي مثل هذه الحالات لا تنحصر المشكلة في جمع المستندات. بل في إقامة الصلة القانونية بينها وبين الواقعة المطلوب إثباتها.

ومن الأخطاء التي قد تقع فيها الشركات الاعتقاد بأن توقيع المحاسب أو المدير المالي على كشف الحساب يكفي لإثبات الدين. فالتوقيع الصادر عن ممثل الشركة لا يحول البيان الذي أعدته لمصلحتها إلى إقرار صادر عن المدين. كما أن ختم الشركة على الكشف لا يمنحه بذاته حجية السند الموقع من الطرف الآخر.

وفي المقابل فإن الإقرار الصادر عن المدين بالمبلغ المستحق يختلف من حيث طبيعته القانونية عن القيد الذي تنشئه الشركة الدائنة في سجلاتها. وقد يكون لهذا الإقرار أثر مهم في الإثبات متى استوفى شروطه القانونية. ولهذا ينبغي التمييز بين كشف الحساب الداخلي وكشف الحساب الذي ثبت قبول الطرف الآخر لمضمونه بصورة معتبرة قانونا.

وتكتسب المادة 28 من قانون الإثبات أهمية إضافية عندما تتضمن دفاتر الشركة قيودا لا تخدم مصلحتها. فإذا ورد فيها ما يصلح للاحتجاج عليها وفقا للنص فإن المسألة تختلف عن محاولة الشركة الاستناد إلى القيود لإثبات حق لنفسها.

غير أن المشرع لم يترك هذه الحجية دون ضوابط. فقد اشترط عدم تجزئة الإقرار المثبت في الدفاتر. ويعني ذلك ضرورة التعامل مع القيد الذي يتضمن إقرارا مترابطا في نطاقه القانوني الصحيح. فلا يجوز اقتطاع الجزء الذي يفيد أحد الخصوم وإهمال الجزء المرتبط به على نحو يغير حقيقة ما أثبته صاحب الدفتر.

كما قررت المادة 30 من قانون الإثبات جواز إثبات عكس القيود التي تكون حجة على صاحبها وفقا للمادتين 28 و29 بجميع طرق الإثبات. وهذا الحكم يوضح أن حجية القيد في هذه الحالات ليست حصانة تمنع مناقشته أو تقديم الأدلة المخالفة له.

ومن المسائل الدقيقة التي تستحق الاهتمام أن المادة 32 اعتبرت القيود المدونة في الدفاتر الإلزامية من قبل الأشخاص المأذونين من صاحب الدفاتر في حكم القيود المدونة منه. كما أقامت قرينة على أنها دونت بعلمه ورضاه إلى أن يثبت العكس.

وتظهر أهمية هذا الحكم في الشركات التي تتوزع فيها صلاحيات التسجيل المحاسبي بين أكثر من شخص. فليس من الضروري أن يكون المدير المفوض قد أدخل القيد بنفسه حتى تثار آثاره القانونية. وإنما ينبغي النظر في صفة من قام بالتسجيل وحدود الإذن الممنوح له ومدى انطباق القرينة القانونية.

وهذا يفرض على إدارة الشركة مسؤولية تنظيم الصلاحيات المحاسبية بصورة واضحة. فالتفويض بإدخال البيانات ليس إجراء تقنيا مجردا من الأثر القانوني. وقد تترتب على القيود المدونة في السجلات آثار تتجاوز إعداد التقارير المالية الداخلية.

ولا تقل أهمية ذلك في المنازعات التي يمتنع فيها أحد الخصوم عن تقديم الدفاتر الموجودة في حيازته. فقد أجازت المادة 53 من قانون الإثبات للمحكمة أن تكلف أحد طرفي الدعوى بتقديم الدفتر أو السند المتعلق بموضوعها عندما يكون ذلك ضروريا للفصل فيها. وحددت شروطا للطلب تتعلق بوصف المستند ومضمونه والواقعة المراد إثباتها والدلائل التي ترجح وجوده لدى الخصم.

ومن ثم فإن طلب إلزام الشركة بتقديم دفاترها لا ينبغي أن يكون طلبا عاما يهدف إلى الاطلاع غير المحدد على جميع حساباتها. بل يجب أن يرتبط بمستند معين أو قابل للتحديد وبواقعة منتجة في النزاع. وهذا القيد يحمي حق الخصم في الإثبات دون تحويل الدعوى إلى وسيلة للكشف غير المبرر عن كامل النشاط المالي للشركة.

وقد عالجت المادتان 54 و56 من قانون الإثبات الآثار المتعلقة بالأمر بتقديم الدفتر أو السند والامتناع عن تقديمه في الحالات التي حددها القانون. فإذا اقتنعت المحكمة بوجود المستند تحت يد الخصم وامتنع عن تقديمه وفق الشروط القانونية فقد تترتب على ذلك آثار إثباتية مهمة.

وهنا ينبغي التنبيه إلى أن الامتناع عن تقديم الدفاتر لا يؤدي في جميع الأحوال وبصورة تلقائية إلى ثبوت المبلغ الذي يطالب به الخصم. وإنما يخضع الأمر للشروط والإجراءات التي حددها القانون ولتقدير المحكمة للأدلة والوقائع المعروضة أمامها.

وتتصل بهذه المسألة أحكام الاحتفاظ بالدفاتر التجارية. فقد أوجبت المادة 18 من قانون التجارة الاحتفاظ بالدفاتر والمحررات المؤيدة للقيود لمدة سبع سنوات وفقا لبداية احتساب المدة المحددة في النص. كما نظمت الاحتفاظ بالمراسلات والمحررات التجارية ذات الصلة.

لكن مدة الاحتفاظ القانونية لا ينبغي الخلط بينها وبين مدد التقادم أو القواعد المتعلقة بانقضاء الالتزامات. فانتهاء مدة حفظ الدفاتر لا يعني بذاته انقضاء جميع الديون المتعلقة بالعمليات التي سجلت فيها. كما لا يضمن أن الشركة لن تحتاج إلى مستندات أقدم في نزاع قائم أو محتمل.

ومن الناحية العملية فإن الشركات التي تتعامل بعقود طويلة الأمد أو تتأخر في تسوية الحسابات تحتاج إلى مراعاة طبيعة التزاماتها عند تنظيم سياسة حفظ الوثائق. فقد يصبح المستند الذي لا يحمل أهمية محاسبية كبيرة في سنة معينة دليلا أساسيا في دعوى تنشأ بعد سنوات.

وتثير الأنظمة المحاسبية الإلكترونية مسألة أخرى تتعلق بالعلاقة بين التطور التقني والقواعد القانونية للإثبات. فقد أجازت المادة 19 من قانون التجارة الاستعاضة عن الدفاتر والمحررات المشار إليها في المادتين 14 و16 باستخدام الأجهزة التقنية والأساليب الحديثة في تنظيم الحسابات وبيان المركز المالي.

لكن هذا النص لا ينبغي تفسيره باعتباره إلغاء شاملا لجميع متطلبات مسك الدفاتر التجارية أو اعترافا تلقائيا بالحجية القضائية لكل ملف إلكتروني. فمسألة صحة السجل الإلكتروني وإمكان الاحتجاج به تخضع للنصوص القانونية ذات الصلة وشروط سلامة الدليل وطريقة إنشائه وحفظه وإثبات نسبته.

وقد تحتفظ شركة بنظام محاسبي متطور يتيح استخراج آلاف القيود خلال دقائق. لكن التطور التقني لا يعالج وحده مشكلة إثبات أن الطرف الآخر قد طلب البضاعة أو تسلمها أو قبل الخدمة أو أقر بالمبلغ المستحق.

ومن هنا فإن الإدارة القانونية السليمة للديون التجارية تبدأ قبل نشوء المنازعة. فالعقد الواضح ومحضر التسليم الموثق والمراسلات المحفوظة وإقرار الرصيد عند توافره يمكن أن تشكل منظومة إثبات أكثر تماسكا من الاعتماد على كشف حساب منفرد.

كما أن المطابقة الدورية للحسابات بين الشركات المتعاملة قد تكشف الخلافات في وقت مبكر. فقد يظهر اختلاف بشأن كمية البضاعة أو قيمة الفاتورة أو الدفعات المسددة. ومعالجة هذه الاختلافات أثناء استمرار التعامل تكون غالبا أقل تعقيدا من محاولة إثبات تفاصيلها بعد انقطاع العلاقة التجارية.

ولا يعني ذلك تحميل الشركات الدائنة عبئا غير معقول في توثيق كل حركة مالية. فطبيعة النشاط التجاري تتطلب السرعة والمرونة. لكن هذه المرونة ينبغي ألا تتحول إلى غياب كامل للمستندات التي تثبت نشوء الالتزام وتنفيذه.

وفي المقابل يجب حماية الشركات المدينة من المطالبات التي تستند إلى قيود داخلية لا يمكن التحقق منها. فلا يجوز أن يتحول مجرد إدخال مبلغ في النظام المحاسبي للدائن إلى وسيلة لإنشاء التزام على شخص آخر دون دليل معتبر.

إن فلسفة قانون الإثبات العراقي في هذا المجال تقوم على تمييز ضروري بين ما يثبته الشخص في سجلاته لنفسه وما يمكن الاحتجاج به على غيره. وهو تمييز يحمي الثقة في التعامل التجاري ويمنع أن تتحول الدفاتر إلى وسيلة لإنتاج أدلة أحادية الجانب.

والنتيجة أن قوة المركز القانوني للشركة لا تقاس بعدد السجلات التي تحتفظ بها أو مستوى النظام المحاسبي الذي تستخدمه. وإنما بقدرتها على ربط تلك السجلات بأدلة قانونية تثبت حقيقة التعامل ومقدار الالتزام.

فالدفتر التجاري المنظم يكشف ما سجلته الشركة عن معاملاتها. أما إثبات الدين أمام القضاء فيحتاج إلى ما يثبت أن الالتزام نشأ فعلا في ذمة الطرف الآخر.

وهذا هو الفارق الذي قد يحدد مصير مطالبة مالية بملايين الدنانير. فالشركة قد تكون محقة في حساباتها لكنها لا تملك الدليل الكافي لإثبات حقها. وفي المنازعات التجارية لا تكفي صحة المطالبة في ذاتها إذا تعذر إثباتها بالوسائل التي يعتد بها قانونا.