التضامن بين المدينين في القانون العراقي: متى تتحمل الشركة كامل الدين رغم تعدد الأطراف؟
المحامي /ايوب حميد
التضامن بين المدينين في القانون العراقي لا ينشأ لمجرد اشتراك عدة شركات في عقد واحد وإنما يحتاج إلى اتفاق صريح أو نص قانوني يقرره وعندما يثبت التضامن يستطيع الدائن مطالبة أي مدين بكامل الدين ولو كانت حصته في المشروع محدودة وهذه النتيجة قد تفاجئ شركات تدخل مشروعا مشتركا دون تدقيق شروط المسؤولية المالية.
قد تتعاقد ثلاث شركات في بغداد على تنفيذ مشروع تجهيز ثم تتعثر إحداها في السداد فيتوجه المورد إلى الشركة الأكثر قدرة على الوفاء ويطالبها بالمبلغ كله فتحتج بأنها لم تستلم إلا جزءا من البضاعة والسؤال هنا ليس عن مقدار استفادتها وحده بل عن طبيعة الالتزام الذي قبلته أمام الدائن.
وضعت المادة 320 من القانون المدني العراقي رقم 40 لسنة 1951 قاعدة واضحة مفادها أن التضامن بين المدينين لا يفترض وإنما يكون بناء على اتفاق أو نص في القانون ومعنى ذلك أن وجود أسماء الشركات على الصفحة نفسها أو توقيعها على عقد واحد لا يحولها تلقائيا إلى مدينين متضامنين.
ولنفترض أن عقدا قيمته ثلاثمائة مليون دينار حدد لكل شركة أعمالا مستقلة بقيمة مائة مليون دينار ولم يتضمن اتفاقا على التضامن فلا يكفي امتناع إحداها عن الوفاء لمطالبة الشركتين الأخريين بدينها أما إذا نص العقد على مسؤولية الأطراف بالتضامن عن كامل المبلغ فإن النتيجة تختلف وفق حدود الاتفاق الصحيح.
المشكلة أن بعض العقود تستعمل عبارات عامة مثل المسؤولية المشتركة أو التزام جميع الأطراف بتنفيذ المشروع من دون توضيح المقصود منها وقد يقرأ المورد العبارة بوصفها ضمانا شاملا بينما تعتقد كل شركة أنها مسؤولة عن حصتها فقط وهنا يولد الغموض نزاعا كان يمكن تفاديه قبل التوقيع.
وقد أجازت المادة 321 للدائن مطالبة أي مدين متضامن بالدين كله أو مطالبتهم مجتمعين ولا تمنع مطالبته لأحدهم من الرجوع على الآخرين لكن ذلك لا يعطيه الحق في استيفاء الدين مرتين فالتضامن يتسع به نطاق المسؤولين عن الوفاء ولا يتضاعف به الدين المستحق.
وأكدت المادة 322 أن وفاء أحد المدينين المتضامنين بالدين كله يبرئ ذمته وذمم الباقين فإذا سددت شركة مائتي مليون دينار عن دين تضامني بهذا المقدار لم يعد للمورد أن يطالب الشركة الأخرى بالمبلغ الذي استوفاه بالفعل.
لكن انتهاء حق الدائن لا يعني أن الشركة التي دفعت ستتحمل الخسارة وحدها فقد قررت المادة 334 حق المدين المتضامن الذي وفى الدين في الرجوع على الآخرين بما دفعه زيادة على حصته ونظمت تحمل تبعة إعسار أحدهم وفقا للقانون وهذه علاقة داخلية تختلف عن حق الدائن في المطالبة.
وتظهر خطورة الخلط بين العلاقتين عندما تتقاسم الشركات إيرادات المشروع بنسب مختلفة ثم توقع التزاما تضامنيا فقد تحصل شركة على عشرين بالمائة من العائد لكنها تصبح مطالبة أمام الدائن بكامل الدين ثم تضطر بعد الوفاء إلى الرجوع على شركائها وقد لا يكون الرجوع مجديا إذا كانوا معسرين.
ولا يقتصر الأمر على العقود المشتركة فقد تكون عدة شركات مملوكة للأشخاص أنفسهم أو تعمل تحت إدارة واحدة لكن وحدة المالك أو المدير المفوض لا تعني بذاتها وحدة الذمة المالية ولا تجعل الشركة الأم مسؤولة عن ديون التابعة دون سند قانوني أو تعاقدي صحيح.
وقد يكون أحد الأطراف مدينا أصليا والآخر كفيلا أو ضامنا أو ملتزما بتنفيذ جزء مستقل ولكل مركز أحكامه لذلك فإن مطالبة شركة بكامل الدين تبدأ بقراءة صفتها في العقد وطبيعة الشركة والنصوص الخاصة التي قد تقرر مسؤولية مختلفة وليس بمجرد تعداد الأسماء الواردة في المستند.
ومن المسائل التي تغيب عن كثير من التسويات أن إبراء أحد المدينين من الدين ليس كإبرائه من التضامن فقد فرقت المادتان 326 و327 بين الحالتين ويترتب على هذا الفرق أثر في المبالغ التي يستطيع الدائن الرجوع بها على الباقين ولذلك قد تكون عبارة قصيرة في اتفاق التسوية حاسمة.
وقد يعترف أحد المدينين بالدين في رسالة أو كشف حساب ثم يحاول الدائن استعمال هذا الإقرار ضد بقية الشركات مع أن المادة 332 قررت أن إقرار أحد المدينين المتضامنين لا يسري في حق الآخرين فالتضامن في الوفاء لا يلغي استقلالهم في كل تصرف يصدر عن أحدهم.
والأمر نفسه يظهر في الأحكام القضائية فقد قررت المادة 333 أن الحكم الصادر على أحد المدينين المتضامنين لا يحتج به على الباقين بينما يستفيد الآخرون من الحكم الصادر لمصلحة أحدهم ما لم يكن مبنيا على سبب خاص به وهذه قاعدة مهمة عند تحديد الخصوم في دعاوى المطالبات المالية.
كما أن المدين المطلوب منه الوفاء ليس مجرد اسم في سلسلة المدينين فقد أتاحت له المادة 321 التمسك بدفوعه الخاصة والدفوع المشتركة بين الجميع مع تنظيم حدود الاحتجاج بالدفوع المتعلقة بمدين آخر ولذلك يحتاج الدفاع أمام محاكم البداءة إلى فصل أسباب الاعتراض بدقة.
وفي تقديري فإن أخطر ما في التضامن التجاري أنه قد يدرج ضمن العقود بوصفه عبارة اعتيادية بينما يغير حقيقة المخاطرة التي تتحملها الشركة فالمسألة ليست ضمان حسن تنفيذ حصتها وإنما احتمال إلزامها بدين كامل نشأ من تعامل متعدد الأطراف.
ولهذا لا يكفي قبل التوقيع أن تعرف الشركة حصتها من الأرباح بل ينبغي أن تحدد نطاق التضامن وما إذا كان يشمل أصل الدين والتعويضات والمصاريف والالتزامات اللاحقة وأن تنظم حق الرجوع والضمانات المتبادلة وآلية معالجة تعثر أي شريك دون افتراض أن الاتفاق الداخلي سيقيد الدائن تلقائيا.
ومن جهة أخرى لا يصح تصوير التضامن باعتباره شرطا مجحفا دائما فقد يكون ضمانة مشروعة تمكن الشركات من الحصول على تمويل أو تنفيذ مشروع كبير وكان الدائن ليرفض التعاقد لولا وجود أكثر من ذمة مالية ملتزمة بالوفاء لكن فائدته الاقتصادية لا تعفي الأطراف من فهم آثاره.
إن التضامن بين المدينين في القانون العراقي ليس مرادفا لتعدد المدينين ولا لوحدة المشروع ولا حتى لوحدة الإدارة وإنما التزام له مصدر وآثار قانونية محددة والفرق بين حصة الشركة في المشروع ومسؤوليتها أمام الدائن قد يبدأ من سطر في العقد وينتهي بمطالبتها بكامل الدين أمام القضاء.