نظام ممارسة مهنة أمناء الإفلاس رقم (7) لسنة 2025
|

أمين الإفلاس… الحارس الأول لاقتصاد الشركات: لماذا أصبح دوره أخطر من أي وقت مضى؟

المحامية نور جواد الدليمي

لم يعد الإفلاس مجرّد كلمة تُقال حين تنهار شركة أو يعجز تاجر عن سداد ديونه؛ بل أصبح مرحلة قانونية خطيرة يتوقف عليها مصير العاملين، ومستقبل الدائنين، واستمرار النشاط الاقتصادي نفسه. وفي قلب هذه المرحلة يقف شخص واحد يمسك بكل الخيوط: أمين الإفلاس (امين التفليسة). إن هذا الدور لا يقلّ خطورة عن دور الجراح الذي يتعامل مع جسدٍ يحتضر… فقرار خاطئ واحد، أو تأخير بسيط، قد يخلق انهياراً مالياً يتوسع أثره خارج الشركة إلى السوق بأكمله.

ومن هنا جاء نظام ممارسة مهنة أمناء الإفلاس رقم (7) لسنة 2025 ليضع الإطار القانوني الجديد الذي ينظّم مهنة لا يمكن تركها للصدفة أو المجاملة أو الخبرة الناقصة. فالمشرّع أراد أميناً يعرف الأرقام كما يعرف القانون، ويمتلك النزاهة قبل أن يمتلك الخبرة، ويستطيع أن يوازن بين حماية الدائنين وتمكين المدين من فرصة إنقاذ مشروعة.

من هو أمين الإفلاس؟ المهنة التي تجمع القانون والاقتصاد والإدارة في شخص واحد

أمين الإفلاس هو شخصية قانونية ومهنية تتحمّل مسؤولية إدارة أموال المدين المتعثر أو الشركة المفلسة وفق إجراءات قانونية دقيقة. فهو من يستلم ملف الشركة لحظة انهيارها، ويبدأ في تقييم موجوداتها، وجرد التزاماتها، وتشخيص قدرتها على الاستمرار أو ضرورة تصفيتها، وصولاً إلى توزيع الحقوق المترتّبة للدائنين. هذا الدور يجعله العمود الفقري لنظام الإفلاس؛ فمن دونه تتحول العملية كلها إلى فوضى تضيع فيها الحقوق، وتُهدر فيها الأصول، وتستمر فيها الخسائر بلا ضابط.

إنه شخص يقف بين طرفين منهارين نفسياً ومالياً: المدين الذي فقد السيطرة على مشروعه، والدائن الذي يخشى ضياع حقه. وفي هذا المشهد المضطرب لا بد أن يكون الأمين قادراً على حفظ التوازن بين مصلحة الطرفين، والالتزام بالقانون، وإدارة الوقت، وتحليل المعلومات المالية، واتخاذ القرارات بحياد وشجاعة.

لماذا أصبح وجود أمين إفلاس مؤهّل ضرورة اقتصادية؟

لا يمكن لأي اقتصاد حديث أن يعمل دون نظام فعال لمعالجة التعثر والإفلاس. فالأسواق تنهار حين يتعطل سداد الديون، والمستثمرون يترددون حين تغيب الثقة بوجود آلية عادلة لاسترداد الحقوق، والمصارف تتشدد في الإقراض حين تخشى عدم وجود إطار قانوني يحميها. ولذلك فإن أمين الإفلاس ليس موظفاً إدارياً، بل هو عنصر استقرار اقتصادي.

وجوده المؤهّل يعني أن حقوق الدائنين لن تضيع، وأن فرصة إعادة الهيكلة ستكون ممكنة، وأن التصفية عند الضرورة ستتم بأعلى درجات الشفافية. وعندما يعلم المستثمرون أن هناك نظاماً محترفاً وآمناً للتعامل مع حالات التعثر، فإنهم يضخّون أموالهم بثقة أكبر، وهذا ينعكس مباشرة على حركة السوق ونمو المشاريع.

النظام الجديد: لماذا جاء وما الذي يريد تحقيقه؟

نظام ممارسة مهنة أمناء الإفلاس لم يُشرّع لتجميل الواقع، بل لمعالجة مشكلة متجذّرة: غياب التنظيم المهني الدقيق، وتفاوت مستويات الكفاءة بين الممارسين، وتعرّض عمليات الإفلاس سابقاً للبطء أو سوء الإدارة أو ضعف الرقابة. ولهذا جاء النظام ليضع للمهنة إطاراً واضحاً يتضمن شروطاً للترخيص، وقواعد للمساءلة، ومتطلبات للتأهيل والتدريب، وطريقة لتسجيل الأمناء وإشراف وزارة العدل عليهم.

إنه انتقال من مرحلة الممارسة التقليدية إلى مرحلة الاحتراف القانوني، حيث لا يستطيع أي شخص خوض هذا المجال دون برهنة نزاهته، وخبرته، وقدرته على تحمل مسؤوليات ضخمة. ويؤسس النظام لثقافة جديدة مفادها أن حماية الاقتصاد تبدأ من حماية مرحلة الإفلاس، وأن إدارة أموال الشركات المتعثرة ليست عملاً عابراً بل مسؤولية وطنية.

أمين الإفلاس… بين القانون والمال والرقابة

الممارسة الفعلية لهذه المهنة تكشف أنها تقف عند نقطة تقاطع ثلاث منظومات:
القانون الذي يحدد حقوق الأطراف وإجراءات الإفلاس.
المال الذي يفرض على الأمين مهارات في التحليل والتدقيق والتقييم.
الرقابة التي تضمن أن لا يتحول الإفلاس إلى باب فساد أو تلاعب بالأصول أو تبديد لحقوق الناس.

ولذلك فإن الأمين ليس مجرد وسيط، بل هو قاضٍ إداري في موقعه، وخبير مالي في قراراته، ومحقق قانوني في متابعته للممتلكات، ومفاوض محترف في ترتيب جداول الديون أو بيع الأصول. إن أي ضعف في إحدى هذه الجوانب قد يؤدي إلى كارثة اقتصادية تضرب عشرات الأسر والشركات المرتبطة بالمشروع المتعثر.

خاتمة: الحاجة إلى المتخصصين في زمن تتسارع فيه الانهيارات المالية

مع توسع السوق العراقية ودخول الشركات الأجنبية وكثرة المشاريع، سيزداد عدد حالات التعثر والإفلاس، وسيزداد معها الطلب على أمناء إفلاس يتمتعون بمهارات عالية وفهم عميق للقانون التجاري وقانون الشركات. ولهذا فإن اختيار أمين إفلاس محترف هو الخطوة التي تفصل بين إعادة إحياء مشروع… وبين دفنه إلى الأبد.

وإذا كنت مستثمراً أو صاحب شركة مقبلة على إعادة هيكلة، أو بحاجة إلى رأي متخصص في ملفات الإفلاس والمنازعات التجارية، فإنا نرحب بكل من يحتاج إلى استشارة قانونية أو تمثيل محترف يضمن حماية أصوله وحقوقه، ويمنحه الطريق القانوني الآمن في أصعب لحظات العمل التجاري.

امين التفليسة في القانون العراقي