تعليمات تنفيذ العقود العامة رقم 1 لسنة 2025

حين لا يكون الاسم معبّراً عن المضمون… قراءة قانونية في “تشكيلات العقود” والتخصيص المالي في العقود الحكومية

المحامية نور جواد الدليمي

عند قراءة تعليمات تنفيذ العقود العامة، يتوقف القارئ المتخصص – ولا سيما من يعمل في الشركات أو الاستثمار – عند الفصل الثاني المعنون بـ “تشكيلات العقود”، إذ يوحي العنوان لأول وهلة بأننا أمام تنظيم شكلي أو توصيف إداري لبنية أو تشكيلات، بينما يكشف التدقيق في النصوص، وبخاصة المادة (3)، أن المشرّع لم يكن بصدد الحديث عن “تشكيل” بالمعنى التنظيمي الضيق، بل عن دائرة وظيفية ذات مهام جوهرية تمس صميم العملية التعاقدية من التخطيط إلى التمويل إلى التنفيذ.

وهنا تظهر أول إشارة مهمة لكل من يتعامل مع جهة حكومية:
في العقود العامة، العناوين لا تكفي، والمضمون هو الذي يصنع المخاطر أو يحمي منها.

تشكيلات العقود: دائرة مهام لا مجرد هيكل

تنص المادة (3) صراحة على أن يُشكَّل في جهات التعاقد “تشكيل يعنى بالتعاقدات أياً كان مستواه الإداري ويكون جزءاً من الهيكل الإداري ويرتبط برئيس جهة التعاقد”، وهو نص يضع هذا التشكيل في قلب القرار الإداري والمالي، لا في هامشه. فارتباطه المباشر برئيس جهة التعاقد يعني أن ما يصدر عنه ليس مجرد إجراءات شكلية، بل قرارات تخطيطية وتنفيذية لها أثر مباشر على مصير العقد.

المفارقة هنا أن مضمون المادة لا يتحدث عن تشكيلات بالمعنى التنظيمي البحت، بل عن وظيفة تعاقدية متكاملة تبدأ من إعداد الخطة التعاقدية، مروراً بمواءمتها مع الخطة السنوية، وانتهاءً بالتعامل مع التخصيصات المالية، وهو ما يجعل هذا “التشكيل” أقرب إلى دائرة العقود منه إلى لجنة أو وحدة إدارية عابرة.

وهذه النقطة ليست نظرية، بل عملية جداً لكل شركة أو مستثمر؛ لأن الجهة التي تضع الخطة التعاقدية هي ذاتها التي تتحكم بتوقيت الإعلان، نطاق العقد، وطريقة التمويل.

الخطة التعاقدية: حيث تبدأ الحقيقة المالية للعقد

أهم ما ورد في المادة (3/أولاً) هو إلزام جهة التعاقد بإعداد الخطة التعاقدية وفقاً للخطة السنوية وبحسب الاحتياجات والتخصيصات المالية المقرّة. هذه العبارة وحدها كفيلة بأن تكون جرس إنذار لكل من يوقع عقداً حكومياً دون أن يتحقق من الأساس المالي له.

الخطة التعاقدية ليست وثيقة إجرائية فقط، بل هي المرآة التي تعكس إن كان المشروع مدعوماً فعلياً بتخصيص مالي في قانون الموازنة أم لا. وهي التي يجب أن تتضمن موضوع العقد، أسلوب التعاقد، مصدر التمويل، الكلفة التخمينية، ووصفاً موجزاً يتيح للمتقدمين فهم المشروع وتحضير عروض واقعية.

ومن زاوية المستثمر أو الشركة الأجنبية، فإن الاطلاع – المباشر أو غير المباشر – على هذه الخطة، أو على الأقل التحقق من وجودها، هو خطوة أساسية لتقييم جدية الجهة الحكومية وقدرتها على الالتزام.

التخصيص المالي: قلب العقد الحكومي النابض

عند مراجعة أي عقد حكومي يتعلق بمشروع معين، لا يكفي النظر إلى قيمة العقد أو مدته أو الجهة الموقعة، بل يجب التوقف عند سؤال واحد جوهري:
هل يوجد تخصيص مالي فعلي في قانون الموازنة لهذا المشروع؟

خذ مثالاً مشروعاً بقيمة كذا مليار دينار خُصص له المبلغ في الموازنة. إذا كان المشروع من المشاريع المستمرة، فإن الجهة المتعاقدة – عند نهاية السنة المالية – ملزمة بإعادة المبالغ غير المصروفة إلى وزارة المالية، على أن يُعاد تخصيصها في السنة اللاحقة. نظرياً تبدو الآلية واضحة ومنضبطة، لكنها عملياً تحمل مخاطر حقيقية على المتعاقد.

ففي بداية السنة الجديدة، قد لا تعود تلك التخصيصات كما هي، ليس بسبب خلل في العقد، بل بسبب أولويات مالية طارئة لدى وزارة المالية، كرواتب الموظفين أو نفقات سيادية أخرى. والنتيجة؟ مشروع قائم، عقد نافذ، لكن التمويل مؤجل أو مجزأ.

التخصيص المجزأ: واقع عملي يجب أن يُحسب بدقة

في كثير من الأحيان، لا تُزوَّد الجهة الحكومية بكامل مبلغ المشروع دفعة واحدة، بل بمبالغ مرحلية؛ مليار أو مليارين، تُنفق على مراحل، ثم يُطلب تمويل إضافي لاحقاً. هذه الآلية شائعة، خصوصاً في المشاريع غير المصنفة كمشاريع مستمرة.

من منظور الشركات والمستثمرين، هذا يعني أن التدفقات النقدية ليست مضمونة بشكل كامل، وأن التنفيذ قد يتباطأ أو يتوقف مؤقتاً رغم سلامة الموقف القانوني للعقد. وهنا يصبح فهم النظام المالي الحكومي جزءاً لا يتجزأ من إدارة المخاطر التعاقدية.

الحسابات المصرفية: التفاصيل التي لا ينتبه لها كثيرون

جميع هذه العمليات – إعادة التخصيص، الصرف المرحلي، التمويل اللاحق – تتم عبر الحسابات المصرفية للوزارات والمؤسسات الحكومية، حيث يمكن نقل الأموال من حساب إلى آخر. هذه الآلية، رغم شفافيتها الشكلية، تعني عملياً أن المال ليس دائماً مرتبطاً بالعقد ذاته، بل بالسياسة المالية العامة.

ولذلك، فإن المستثمر الذكي لا يكتفي بنص العقد، بل يسأل عن مسار الأموال، وتوقيت الصرف، وآليات الدفع، وكيفية التعامل مع تأخير التمويل.

القاعدة الذهبية: لا عقد بلا تخصيص مالي

النص الصريح، والقاعدة التي لا تقبل التأويل، هي:
لا يجوز المباشرة بأي عقد بدون تخصيص مالي.

لكن الخطر لا يكمن فقط في غياب التخصيص عند التعاقد، بل في عدم استمراره. فالعقد الذي يبدأ بتخصيص قد يتحول عملياً إلى عبء مالي على المتعاقد إذا لم يُدار هذا الجانب بحذر قانوني ومالي.

رسالة إلى الشركات والمستثمرين: ما الذي يجب مراعاته؟

التعاقد مع جهة حكومية في العراق ليس مجرد فرصة تجارية، بل علاقة قانونية ومالية معقدة تتطلب فهماً دقيقاً لتعليمات تنفيذ العقود العامة، وقانون الموازنة، وآليات الصرف. الشركة التي لا تتحقق من التخصيص المالي، ولا تفهم طبيعة المشاريع المستمرة، ولا تضع احتمال إعادة الأموال أو تأخيرها ضمن حساباتها، قد تجد نفسها أمام عقد صحيح شكلاً، لكنه مرهق عملياً.

ولهذا، فإن الاستعانة باستشارة قانونية متخصصة قبل الدخول في أي عقد حكومي ليست ترفاً، بل ضرورة استراتيجية، خصوصاً للشركات الأجنبية والتجار والمستثمرين الذين لا يملكون خبرة كافية بالبيئة المالية والإدارية العراقية.

بين النص القانوني والواقع التنفيذي: لماذا يحتاج المتعاقد مع الدولة إلى رأي قانوني متخصص؟

في العقود الحكومية، لا تكمن الخطورة عادة في النصوص المنشورة أو في الشروط المكتوبة بوضوح، بل في المسافة الفاصلة بين ما هو منصوص عليه وما يُطبّق فعليًا على أرض الواقع. هذه المسافة هي التي تُربك الشركات، ولا سيما الشركات الأجنبية أو تلك التي لا تمتلك تجربة طويلة في التعامل مع الجهات الحكومية العراقية، وهي ذاتها التي تجعل الاستشارة القانونية المتخصصة ضرورة عملية لا خيارًا شكليًا.

فالمتعاقد مع الدولة لا يواجه عقداً عادياً، بل منظومة متشابكة من تعليمات تنفيذ العقود العامة، قوانين الموازنة، آليات التخصيص والصرف، وسلطات تقديرية تمتلكها الجهة الإدارية قد لا تكون ظاهرة في متن العقد نفسه. وفي كثير من الحالات، لا يظهر أثر هذه التعقيدات إلا بعد توقيع العقد وبدء التنفيذ، حين تصبح الأسئلة المالية والتنفيذية أكثر إلحاحاً من النصوص النظرية.

من هنا، لا يكون دور المحامي في هذا النوع من العقود محصوراً في مراجعة البنود أو صياغة الملاحظات، بل في قراءة السياق الكامل الذي يتحرك فيه العقد: هل التخصيص المالي مستقر أم مرحلي؟ هل المشروع مصنف كمستمر أم سنوي؟ ما أثر نهاية السنة المالية؟ وما هي الخيارات القانونية الواقعية في حال تأخر التمويل أو تغيّر الأولويات الحكومية؟

هذه الأسئلة لا تُجاب بنص واحد ولا بعبارة جاهزة، بل بخبرة تراكمية وفهم دقيق للبيئة الإدارية والمالية، وهو ما لا يمكن اختزاله في ادعاء تفوق أو لقب تسويقي. لذلك، فإن أي جهة قانونية تحترم مهنتها لا تقول إنها “الأفضل”، بل تفتح ملفاً، تستمع، تحلل، وتترك لصاحب القرار أن يحكم بنفسه على مستوى الرؤية والطرح.

ولهذا السبب تحديداً، فإن دعوة الشركات والمستثمرين إلى طلب استشارة أو زيارة المكتب لا تهدف إلى الإقناع، بل إلى الاختبار. اختبار طريقة التفكير، عمق التحليل، وفهم التفاصيل التي لا تُكتب في الإعلانات ولا تظهر في العناوين. ففي العقود الحكومية، الفرق الحقيقي لا يصنعه الوصف، بل القدرة على قراءة ما وراء النص، والتنبيه إلى ما قد يحدث قبل أن يحدث.

المحامية نور جواد الدليمي