تملّك الأجنبي للعقار في العراق: بين النصوص القديمة، الواقع العملي، ومفهوم المعاملة بالمثل
المحامية نور جواد الدليمي
يُعد موضوع تملّك الأجنبي للعقار في العراق من أكثر الملفات القانونية حساسية وتعقيداً، ليس فقط بسبب تشابك النصوص التشريعية، بل بسبب تداخل السياسة التشريعية مع الواقع الإداري والأمني والاقتصادي. ولهذا السبب، فإن أي باحث أو مستثمر أو شركة أجنبية تحاول فهم هذا الملف ستصطدم سريعاً بحقيقة أساسية: القانون في هذا المجال لا يُقرأ بمعزل عن سياقه التاريخي والتطبيقي.
فالحديث عن تملك الأجانب للعقارات في العراق لا ينحصر في سؤال “هل يجوز أم لا يجوز”، بل يمتد إلى شبكة واسعة من القيود، المبادئ، والاستثناءات، التي تشكّل بمجموعها فلسفة تشريعية قائمة على الحذر، والسيادة، ومبدأ المعاملة بالمثل.
المعاملة بالمثل: حجر الأساس في تملّك الأجنبي للعقار
منذ خمسينيات القرن الماضي، اعتمد المشرّع العراقي مبدأ المعاملة بالمثل كأساس حاكم لمسألة تملك الأجنبي للعقار. هذا المبدأ، الذي يقوم على فكرة المقابلة التشريعية، لا ينظر إلى الأجنبي بوصفه فرداً معزولاً، بل بوصفه امتداداً للنظام القانوني الذي ينتمي إليه. فحق الأجنبي في التملك داخل العراق مرتبط جوهرياً بالحقوق التي يمنحها قانون دولته للعراقيين.
وبموجب هذا الفهم، فإن التملك ليس حقاً مطلقاً، بل حق مشروط، يتحدد من حيث النوع، المساحة، الموقع، والاستعمال، وفق ما يُسمح به للعراقي في بلد الأجنبي. وهو مبدأ يعبّر عن توازن دقيق بين الانفتاح الاقتصادي وحماية المصالح الوطنية.
القيود الإدارية والأمنية: ما وراء النصوص العامة
حتى في الحالات التي يُفترض فيها تحقق مبدأ المعاملة بالمثل، فإن التملك لا يتم تلقائياً، بل يمر عبر طبقات من الموافقات والقيود. فالإقامة الطويلة داخل العراق، وعدم وجود موانع إدارية أو عسكرية، والبعد الجغرافي عن المناطق الحدودية، وطبيعة العقار ذاته، كلها عناصر تدخل في عملية التقييم.
هذه الشروط، وإن بدت إجرائية في ظاهرها، إلا أنها تعكس رؤية الدولة لطبيعة التملك الأجنبي باعتباره استثناءً مضبوطاً، لا قاعدة عامة، وهو ما يجعل التطبيق العملي مختلفاً من حالة إلى أخرى.
حدود العقار المسموح: السكن والعمل ثم الاستثمار المفتوح
الإطار العام الذي حكم هذا الملف تاريخياً لم يكن يسمح بتملّك واسع أو استثماري للأجانب، بل كان يضيق الدائرة في حدود السكن والعمل الشخصي. فالفكرة لم تكن تشجيع المضاربة العقارية أو التوسع في الملكية، بل تلبية احتياجات محدودة مرتبطة بالإقامة أو النشاط المهني المباشر.
ولهذا، فإن أي قراءة حديثة لموضوع تملك الأجنبي للعقار يجب أن تنطلق من هذا الأصل، لا من استثناءات أو اجتهادات جزئية.
وفي اطار قانون الاستثمار يتمتع المستثمر العراقي او الاجنبي بجميع المزايا و التسهيلات و الضمانات و يخضع للالتزامات المنصوص عليها في هذا القانون.
كما يجوز تمليك المستثمر العراقي او الاجنبي الاراضي المخصصة للمشاريع السكنية و العائدة للدولة و القطاع العام، و للمستثمر العراقي او الاجنبي شراء الارض العائدة للقطاع الخاص او المختلط لاقامة مشاريع الاسكان حصرا شريطة عدم تعارضها مع استعمالات التصميم الاساسي.
الوراثة واختلاف الجنسية: تقاطع القانون مع الدين
في سياق متصل، يبرز موضوع وراثة الأجانب للعقارات في العراق، وهو ملف لا يقل تعقيداً. فالقانون العراقي تبنّى منذ خمسينيات القرن الماضي مبدأ مفاده أن اختلاف الجنسية لا يمنع التوارث، سواء في الأموال المنقولة أو غير المنقولة، لكن ضمن إطار مزدوج: المعاملة التشريعية بالمثل، واتحاد الدين.
وبذلك، فإن مسألة الإرث لا تُحسم فقط بالجنسية، بل تتقاطع مع الانتماء الديني، وهو ما يعكس خصوصية النظام القانوني العراقي في هذا المجال، ويفرض على الأجانب فهماً عميقاً للسياق القانوني والاجتماعي معاً.
قرارات الإيقاف: حين يتدخل الظرف السياسي في الملكية العقارية
إلى جانب القوانين العامة، يطفو على السطح رأي قانوني مهم يتعلق بقرارات صدرت في تسعينيات القرن الماضي، أوقفت العمل بكافة النصوص التي كانت تجيز تملك رعايا الدول العربية والأجانب للعقار في العراق. ويُثار في هذا السياق نقاش مستمر حول مدى سريان هذا الإيقاف حتى اليوم، وحدود تطبيقه، وما إذا كان يشمل جميع النصوص أم يقتصر على القوانين والقرارات دون المساس ببعض المواد التي بقيت نافذة بحكم عدم النص صراحة على إيقافها.
هذا الجدل يعكس حقيقة أن ملف تملك الأجنبي للعقار لا يزال محاطاً بتفسيرات متعددة، وأن التطبيق العملي قد يختلف باختلاف الجهة، والزمان، والواقعة المعروضة.
لماذا لا توجد إجابة واحدة؟
من الخطأ افتراض وجود إجابة بسيطة أو نهائية لسؤال تملك الأجنبي للعقار في العراق. فالنصوص متداخلة، والوقائع مختلفة، والتطبيق يخضع لعوامل قانونية وإدارية وسيادية. ولهذا، فإن أي طرح جاد لهذا الموضوع يجب أن يكون توعوياً لا تبسيطياً، وتحليلياً لا جازماً.
الشركات الأجنبية، والمستثمرون، وحتى الأفراد المقيمون، يحتاجون إلى فهم الإطار العام، لا الاكتفاء بإجابات مختصرة قد تكون صحيحة في حالة، وخاطئة في أخرى.
دعوة للتريث والفهم قبل الإقدام
إن تملك العقار في العراق، بالنسبة للأجنبي، ليس مسألة قرار تجاري فقط، بل مسألة قانونية مركّبة تتطلب قراءة دقيقة للتشريعات، السوابق، والآراء القضائية، فضلاً عن الواقع العملي للتطبيق.
ولهذا، فإن اللجوء إلى جهة قانونية مختصة، تمتلك خبرة فعلية في هذا الملف، وقادرة على قراءة النصوص في سياقها الصحيح، هو خطوة ضرورية قبل أي إجراء. ليس للحصول على وعود، ولا لإجابات جاهزة، بل لفهم الصورة الكاملة، واتخاذ القرار على بينة.
في الختام
هذا المقال لا يهدف إلى إعطاء إجابة قاطعة، ولا إلى فتح باب أو إغلاقه، بل إلى وضع القارئ أمام حقيقة أساسية:
تملك الأجنبي للعقار في العراق ملف لا يُدار بالعناوين، بل بالفهم العميق للقانون وتاريخه وتطبيقه.
ومن أراد الدخول في هذا المسار، فإن البداية الصحيحة دائماً تكون بالسؤال القانوني الصحيح، لا بالافتراضات.
كلمة أخيرة لكل من يفكّر بالخطوة التالية
إن القضايا المتعلقة بتملك الأجانب للعقار في العراق، والتعامل مع الجهات الرسمية، وفهم القيود التشريعية والآراء القضائية ذات الصلة، ليست من المسائل التي يمكن حسمها بالبحث السريع أو بالاعتماد على إجابات عامة متداولة. فالتشريعات العراقية، بما تحمله من امتدادات تاريخية، وتقاطعات مع مفاهيم السيادة، والمعاملة بالمثل، والاعتبارات الإدارية والأمنية، تفرض على الأفراد والشركات مقاربة مختلفة تقوم على الفهم لا التسرّع، وعلى التحليل لا الافتراض.
سواء كنت فرداً أجنبياً مقيماً في العراق، أو شركة دولية تفكّر في دخول السوق العراقي، أو مستثمراً يبحث عن إطار قانوني آمن لتنظيم ملكيته أو نشاطه، فإن الاستشارة القانونية المتخصصة تشكّل النقطة الفاصلة بين قرار محسوب وقرار محفوف بالمخاطر. فالقانون في هذا المجال لا يعمل بمنطق “نعم” أو “لا” المجردتين، بل بمنطق التفاصيل، والوقائع، واختلاف الحالات من ملف إلى آخر.
إن طلب استشارة قانونية لا يعني البحث عن حل جاهز، بل هو مسار لفهم الخيارات المتاحة، والقيود المحتملة، والبدائل القانونية الممكنة، قبل اتخاذ أي خطوة قد تكون آثارها طويلة الأمد. وهذا الفهم يصبح أكثر أهمية حين يتعلق الأمر بالعقارات، لما لها من قيمة مالية، واستقرار قانوني، وتبعات مستقبلية لا يمكن التراجع عنها بسهولة.
من هذا المنطلق، فإن التواصل مع جهة قانونية تمتلك خبرة عملية في القوانين العقارية، والمعاملات التي تخص الأجانب، وتتعامل بشكل يومي مع دوائر التسجيل، الجهات الإدارية، والملفات ذات الطبيعة السيادية، يمنحك رؤية أوضح للصورة الكاملة، بعيدًا عن التعميم أو التضليل أو التوقعات غير الواقعية.
نحن لا نقدّم وعوداً، ولا نضع توصيفات مطلقة، ولا ندّعي أن لكل حالة طريقاً واحداً. بل نؤمن أن كل ملف قانوني يستحق أن يُقرأ بذاته، وأن يُدرس في ضوء القوانين النافذة، الآراء القضائية، والواقع العملي للتطبيق. ومن خلال الاستشارة القانونية، يمكن تحويل الأسئلة العامة إلى رؤية قانونية محددة، واتخاذ القرار على أساس معرفة لا اجتهاد.
إذا كنت تبحث عن فهم أعمق لموضوع تملك الأجنبي للعقار في العراق، أو تحتاج إلى تقييم قانوني أولي قبل أي إجراء، فإن طلب الاستشارة هو الخطوة الطبيعية الأولى. خطوة تتيح لك أن تحكم بنفسك على جدوى المسار، وحدود المخاطر، وإمكانية المضي قدمًا بثقة.
في الملفات القانونية المعقّدة، لا يكون القرار السليم هو الأسرع، بل هو الأكثر وعياً. والاستشارة القانونية ليست نهاية الطريق، بل بدايته الصحيحة.
