تعليمات تنفيذ العقود العامة رقم 1 لسنة 2025

العقد الحكومي… رحلة المفهوم من اللغة إلى القانون

المحامية نور جواد الدليمي

كيف تحوّل “الربط” في المعنى اللغوي إلى أكثر العقود حساسية وتعقيداً في القانون العام؟

حين نسمع كلمة عقد، يتبادر إلى أذهاننا ذلك الربط البسيط بين شيئين أو إرادتين؛ ربطٌ لغوي يجري على اللسان منذ مئات السنين. لكن هذا المفهوم، الذي يبدأ بمعنى لغوي بسيط، يتحوّل عند دخوله عالم القانون العام إلى منظومة معقدة تُعدّ اليوم أخطر أدوات الدولة في إدارة مرافقها ومشاريعها. فما الذي حدث للمفهوم حتى تطوّر بهذا الشكل؟ وكيف انتقل “العقد” من مجرد اتفاق بين طرفين إلى عقد حكومي تحكمه قواعد صارمة وتتحكم به إرادة الإدارة العامة؟

هذا المقال يتتبع رحلة المفهوم خطوة بخطوة… من اللغة، إلى التشريع، ثم إلى أعمق زاوية في الفقه والقضاء.

أولاً: العقد حكماً من اللغة… ربطٌ ومعنى يتسع لكل شيء

تقول معاجم اللغة إن العقد يعني الربط والإحكام، سواء كان شيئاً مادياً كعقد الحبل، أو معنوياً كعقد العزم والنية. وجاء في الفقه اللغوي أن العقد يشمل كل التزام ينشأ عن إرادة واحدة أو إرادتين:
فكما ينعقد البيع والزواج والإجارة بإرادتين، ينعقد العهد واليمين والوقف بإرادة واحدة.

هذا الاتساع اللغوي منح الكلمة مرونة كبيرة، فانتقلت بسهولة إلى الفقه ثم القانون، لتكون أساس نظرية الالتزام كلها. لكن القانون لم يكتفِ بالمعنى العام، بل أضاف إليه شروطاً وضوابط تُحدّد متى يكون لهذا “الربط” أثر قانوني ملزم.

ثانياً: العقد حكماً من التشريع… متى يصبح الاتفاق التزاماً قانونياً؟

قامت التشريعات المدنية في العراق ومصر والجزائر على تعريف العقد بأنه ارتباط إيجاب بقبول ينتج أثراً قانونياً.
لكن هذه التعريفات، على وضوحها، تخفي خلفها حقيقة مهمة:
ليست كل توافقات الإرادة عقوداً، وليست كل العقود متساوية.

وعندما تدخل الدولة طرفاً في العقد، يتغيّر كل شيء.

ففي العقود الحكومية، لا تكفي إرادة الطرفين ولا يكفي توافقهما، بل لا ينعقد العقد إلا إذا تم بطرق محددة حصراً:
مناقصة، مزايدة، إحالة، تبليغ رسمي بقرار الإرساء.
والسبب؟ لأن العقد هنا لم يعد نشاطاً مدنياً عادياً، بل أصبح وسيلة لإدارة المال العام وتسيير مرفق عام، ما يجعله خاضعاً لسلطة القانون العام لا لحرية التعاقد.

والتشريعات العربية، رغم اختلافها، تتفق على أن العقد الحكومي يكتسب شخصيته وطبيعته من أحد معيارين:
المعيار العضوي: أن تكون جهة الإدارة طرفاً في العقد،
المعيار الموضوعي: أن يتضمن العقد شروطاً استثنائية غير مألوفة في القانون الخاص.

ثالثاً: العقد حكماً من الفقه… حين تتصرف الدولة كقوة لا كفرد

يرى كبار فقهاء القانون الإداري أن العقد الحكومي ليس مجرد “عقد”، بل هو نظام قانوني كامل يمتاز بثلاث سمات جوهرية:

  1. تدخل الإدارة بسلطة عامة، لا كطرف مساوٍ للمتعاقد الآخر.
  2. الغاية من العقد خدمة مرفق عام لا تحقيق الربح.
  3. احتواء العقد على شروط استثنائية (كالفسخ الانفرادي، الرقابة، سلطة التعديل من جانب واحد).

ثم جاءت التطبيقات القضائية، خاصة في فرنسا ومصر والعراق، لتكشف أن الإدارة قد تبرم عقوداً مدنية خالصة، وقد تبرم عقوداً حكومية ذات طبيعة مزدوجة، وقد تبرم عقوداً إدارية كاملة تخضع لسلطة القانون العام.

لكن المهم في كل ذلك هو:
أن العقد الحكومي ليس مجرد اتفاق… إنه اتفاق ضمن سلطة.

وهذه السلطة هي التي تمنح العقد صفته المميزة، وتحدد كيف يُفسَّر، وكيف يُنفَّذ، وأين يُطعن به، وكيف يُعالج النقص في بنوده، وحتى متى يمكن إنهاؤه دون الرجوع للطرف الآخر.

لماذا كل هذا التعقيد؟

لأن العقد الحكومي يتعامل مع المال العام، والمشاريع العامة، والمرافق العامة.
والخطأ في صياغته أو إبرامه لا يضر طرفين فقط، بل يضر الدولة والناس والاقتصاد بأكمله.

ولهذا جاءت تعليمات تنفيذ العقود العامة، وآخرها تعليمات رقم (1) لسنة 2025، لتعيد ضبط هذه المنظومة وتمنع الفوضى التي كلّفت الشركات خسائر كبيرة، وأدخلت الإدارة في نزاعات لا تنتهي، وأرهقت القضاء بقضايا لم تكن لتصل إليه لو فهم الأطراف قواعد العقد الحكومي من البداية.

خاتمة: قبل أن تتعاقد مع الدولة… توقّف لحظة

فهمك للعقد الحكومي ليس رفاهية قانونية، بل خط دفاع اقتصادي.
ومع كل التطور في التكنولوجيا والتشريع والرقابة، سيصبح العقد الحكومي أكثر دقة، وسيصبح الخطأ فيه أكثر كلفة.

وإذا كنت مقبلاً على مشروع مع الدولة، أو تسعى لفهم هذه المنظومة، أو تحتاج إلى رأي متخصص في صياغة عقد أو الطعن فيه، فنحن نرحّب دائماً بكل استشارة أو طلب مساعدة قانونية، لضمان أن يكون طريقك في التعاقد مع الجهات الحكومية سليماً، آمناً، ومحسوب المخاطر منذ اللحظة الأولى.

افضل محامي عقود حكومية