لماذا استبعد المشرّع العراقي العقود الحكومية من اختصاص القضاء الإداري؟ تحليل قانوني ونتائجه العملية
المحامية نور جواد الدليمي
من بين كل أنواع العقود في المنظومة القانونية العراقية، يبقى العقد الحكومي أخطرها وأشدّها حساسية، لأنه العقد الوحيد الذي يمكن أن يُبرَم بشكل صحيح شكلاً ويُنسف موضوعاً… أو يبدو صحيحاً موضوعاً لكنه يسقط بالكامل بسبب خلل إجرائي صغير لم ينتبه له أحد. وفي عالم تصاعدت فيه الدعاوى الحكومية، وخسرت فيه شركات عراقية وأجنبية ملايين الدنانير رغم صحة تجهيزها وتنفيذها، بات لزاماً على كل محامٍ، وكل شركة، وكل متعامل مع الدولة أن يفهم شيئاً جوهرياً: العقد الحكومي ليس عقداً عادياً، إنه منظومة قانونية كاملة، ومن لا يتقنها يخسر قبل أن يبدأ.
في جوهر العقد الحكومي، لا يكفي وجود “إيجاب” من الشركة و“قبول” من جهة الدولة. ولا يكفي كتاب رسمي، أو محضر لجنة مشتريات، أو وصولات استلام تحمل تواقيع الموظفين. فالتعاقد مع الإدارة ليس مجرد توافق إرادتين، بل هو اجتماع قانوني مُحكم لا يكتمل إلا إذا اتصل القبول علمياً وقانونياً بالموجب، وتم ذلك وفق الطرق التي رسمها التشريع حصراً، عبر مناقصة أو مزايدة أو إحالة أصولية تُبلّغ لصاحب العطاء بتكليف صريح بالتنفيذ. أي خطوة خارج هذه القنوات تجعل العقد، مهما بدا صحيحاً، خالياً من السند القانوني.
وهنا يكمن الفرق الجوهري بين العقد الحكومي والعقد المدني، فبينما يقوم الأخير على الحرية التعاقدية، فإن الأول يخضع لسلطة القانون العام، ويُلزم الإدارة باتباع إجراءات صارمة ليست شكليات، بل مكونات أساسية لوجود العقد ذاته. ولهذا نجد أن القضاء العراقي، رغم بقاء العقود الحكومية ضمن ولاية القضاء المدني، يعامل الإجراءات الإدارية كحد فاصل بين العقد الصحيح والعقد المعدوم. فلا يعتد القضاء بعقد شراء تم خارج الضوابط، حتى لو أثبت الطرف الثاني التجهيز والانتفاع الفعلي للجهة الحكومية، لأن مناط الإلزام ليس الواقع بل الإجراء.
هذا المفهوم ليس عراقياً فقط، بل انعكاس لمنظومة قانونية عالمية تمتد جذورها إلى القضاء الفرنسي، حيث تُبنى نظرية العقد الإداري على فكرة أن الإدارة لا تتعاقد لأجل الربح، بل لتسيير مرفق عام وتحقيق مصلحة عامة، ولذلك مُنحت شروطاً استثنائية لا يملكها الأفراد في عقودهم الخاصة. ومن هنا ظهرت الشروط غير المألوفة التي تدل على أن العقد حكومي بطبيعته، ثم تبلورت في تشريعات مصر والجزائر والعراق، وإن كان التطبيق يختلف من بلد إلى آخر.
ولأن العقد الحكومي يستمد طبيعته من صفة الإدارة أو موضوع العقد أو الشروط الاستثنائية التي يتضمنها، فقد أمضت المحاكم العراقية سنوات في محاولة رسم حدود واضحة لهذا المفهوم، لكن كثافة المنازعات الأخيرة وصدور تعليمات تنفيذ العقود العامة رقم (1) لسنة 2025 جعلت الحاجة إلى فهم هذا النظام أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.
فاليوم، لم يعد بإمكان أي شركة أن تتعامل مع الدولة عبر “علاقات شخصية”، أو “لجان مشتريات”، أو “طرق مختصرة”، لأن الإجراء الخاطئ وحده كفيل بأن يقلب دعوى محكمة رأساً على عقب، مهما كانت البينات قوية.
إن العقد الحكومي ليس مجرد “اتفاق”، بل هو عملية مركبة تبدأ بإعلان أو دعوة للتعاقد، ثم تقديم العطاء، ثم قرار الإحالة، ثم التبليغ، ثم التوقيع، ثم التنفيذ بضوابط قانونية لا تسمح بالمجازفة. وهذه العملية محكومة بسلسلة من النصوص التي لا مجال لاجتهاد الموظفين فيها، ولا رحمة فيها لمن يجهلها. وليس غريباً أن أغلب القضايا التي يخسرها المتعاقدون مع الدولة اليوم لا تُرد بسبب عدم وجود دين، أو لأن الإدارة لم تستلم البضاعة، بل تُرد لأنها لم تُبرم وفق الإجراءات التي يفرضها القانون.
والفقه القانوني نفسه يكرر بأن الإدارة، عندما تتعاقد، تتحرك ضمن قالب عام يميّز العقد الحكومي عن غيره: نية تسيير المرفق العام، خضوع العقد للقانون العام، وجود شروط غير مألوفة في العقود المدنية، سلطة الإدارة في التعديل أو إنهاء العقد بشروط محددة، وضرورة احترام الشكل القانوني الذي جعل العقد مشروعًا منذ اللحظة الأولى. وما دام هذا الشكل غائباً، فإن كل ما يليه يصبح باطلاً مهما بلغت قيمة المشروع أو حيوية التجهيز.
إن نشر الثقافة القانونية حول العقود الحكومية ليس ترفاً فكرياً، بل ضرورة اقتصادية حقيقية تحمي الشركات من خسائر كارثية رأينا أمثلة واقعية لها، كما تحمي الإدارة نفسها من عبء الفوضى القانونية. فالعراق اليوم، مع التحول الرقمي، ومع دخول التعليمات الجديدة حيز التنفيذ، يحتاج إلى فهم دقيق لهذه المنظومة، خاصة مع تزايد اللجوء إلى الاستثمار والشراكات العامة الخاصة.
وفي هذا السياق، تأتي أهمية أن يستوعب المحامون، لا الشركات وحدها، حدود هذا النظام التعاقدي الخاص؛ لأن المحامي هو خط الدفاع الأول ضد الأخطاء الإجرائية التي قد تبتلع حق موكله بالكامل. ومع اتساع العمل بنظام المناقصات وفق تعليمات 2025، أصبحت هذه المعرفة شرطاً أساسياً لنجاح أي عقد حكومي.
خاتمة
يبقى العقد الحكومي واحدًا من أخطر أنواع العقود وأكثرها تعقيداً، لأنه لا يرحم من يجهله، ولا يعترف بحسن النية، ولا يتسامح مع الخطأ الإجرائي. وإذا كنت مقبلاً على التعاقد مع جهة حكومية، أو شركة ترغب بدخول عالم المشاريع العامة، فإن فهمك لهذه القواعد هو درعك الوحيد أمام خسارة قد تكون بحجم مشروع حياتك.
وإن كنت تحتاج إلى استشارة دقيقة، أو توجيه متخصص، أو متابعة عقد حكومي من بدايته حتى تسويته، فالأبواب مفتوحة دائماً لكل من يسأل، وكل من يبحث عن حماية قانونية رصينة تليق بثقله الاستثماري ومسؤولياته المستقبلية.
