تحصيل قيمة الكمبيالة في العراق هل تراجع دائرة التنفيذ ام محكمة البداءة؟

تحصيل قيمة الكمبيالة في العراق هل تراجع دائرة التنفيذ ام محكمة البداءة؟

بقلم المحامي ايوب حميد

الجواب المباشر هو أن الكمبيالة لا تذهب دائما إلى محكمة البداءة ولا تذهب دائما إلى دائرة التنفيذ بل يتوقف الطريق الصحيح على شكل الكمبيالة وصفة المدين ومقدار وضوح الدين فإذا كانت الكمبيالة صحيحة وقابلة للتداول ومستوفية شروط التنفيذ فيمكن مراجعة دائرة التنفيذ أما إذا وجدت منازعة جدية أو نقص في البيانات أو كان المطلوب الرجوع عليه مظهرا أو كان الدين بحاجة إلى إثبات فالأصل العملي هو مراجعة محكمة البداءة.

هذه النقطة مهمة جدا في القضايا التجارية في بغداد لأن كثيرا من أصحاب الشركات والتجار والمقاولين يتعاملون بالكمبيالات في البيع بالدين والعقود والمقاولات والتجهيزات ثم يفاجأ الدائن عند المطالبة بأن اختيار الطريق الخاطئ قد يضيع وقتا ثمينا بين التنفيذ والمحكمة.

قانون التنفيذ العراقي رقم 45 لسنة 1980 عالج المحررات القابلة للتنفيذ في المادة 14 وذكر من بينها الأوراق التجارية القابلة للتداول وهذا يعني أن الورقة التجارية قد تكون قابلة للتنفيذ المباشر أمام مديرية التنفيذ متى كانت مستوفية للشروط القانونية ولم يمنع القانون تنفيذها بهذه الطريق.

لكن المادة 14 من قانون التنفيذ لم تفتح باب التنفيذ لكل حالة على إطلاقها بل اشترطت في الورقة التجارية أن لا يكون المدين فيها مظهرا وهذا شرط عملي مهم لأن الرجوع على المظهر قد يحتاج إلى دعوى ومناقشة شروط التظهير والرجوع والإخطارات والاحتجاج عند الاقتضاء.

كما أن المادة 13 من قانون التنفيذ تشترط أن يكون الحق في المحرر التنفيذي معلوما ومستحقا وغير معلق على شرط وغير مخالف للنظام العام أو الآداب وهذا يعني أن دائرة التنفيذ لا تصلح عندما تكون المطالبة غامضة أو مؤجلة أو معلقة على واقعة تحتاج إلى إثبات أمام المحكمة.

أما من جهة قانون التجارة العراقي رقم 30 لسنة 1984 فإن المادة 133 بينت البيانات الإلزامية في السند للأمر وهو ما يعرف عمليا بالكمبيالة ومن هذه البيانات شرط الأمر أو عبارة سند للأمر والتعهد غير المعلق على شرط بوفاء مبلغ معين وتاريخ الاستحقاق ومكان الأداء واسم من يجب الوفاء له أو لأمره وتاريخ الإنشاء ومكانه واسم وتوقيع ومقام المحرر.

وتأتي المادة 134 من قانون التجارة لتقرر أن خلو السند للأمر من أحد البيانات المذكورة في المادة 133 يجعله سندا ناقصا ولا يكون له أثر كورقة تجارية إلا في الحالات التي بينها القانون مثل عدم ذكر تاريخ الاستحقاق إذ يعد مستحق الأداء لدى الاطلاع عليه وفق النص القانوني.

لهذا فإن أول خطوة قبل مراجعة دائرة التنفيذ أو محكمة البداءة هي فحص الكمبيالة نفسها لأن الورقة التي تبدو صحيحة من حيث الشكل قد تحمل نقصا مؤثرا في تاريخ الاستحقاق أو مكان الأداء أو اسم المستفيد أو صفة الموقع أو طريقة انتقال الحق.

إذا كانت الكمبيالة مستوفية وكانت المطالبة موجهة ضد محررها أو المدين الأصلي وكان المبلغ محددا ومستحقا وغير معلق على شرط فيكون طريق دائرة التنفيذ طريقا سريعا ومناسبا من حيث المبدأ لأن الدائن لا يحتاج في البداية إلى إقامة دعوى لإثبات أصل الحق.

وفي هذه الحالة يقدم الدائن أصل الكمبيالة إلى مديرية التنفيذ المختصة مع طلب التنفيذ وفق إجراءات قانون التنفيذ ثم يتخذ المنفذ العدل قراره بقبول التنفيذ أو رفضه وفق المادة 15 من قانون التنفيذ وبعد القبول يجري تبليغ المدين بمذكرة الإخبار بالتنفيذ.

وتمنح المادة 18 من قانون التنفيذ المدين فرصة التنفيذ الرضائي خلال سبعة أيام من اليوم التالي لتاريخ تبليغه بمذكرة الإخبار بالتنفيذ فإذا دفع الدين انتهت المعاملة بسرعة وإذا لم ينفذ رضاء تنتقل مديرية التنفيذ إلى إجراءات التنفيذ الجبري وفق المادة 22 من القانون نفسه.

لكن الطريق لا يبقى سهلا دائما لأن المادة 25 من قانون التنفيذ تجيز الاعتراض على الورقة التجارية القابلة للتداول الواردة في المادة 14 وهذا يعني أن المدين قد يعترض أمام التنفيذ وقد يثير إنكار الدين أو جزء منه أو يتمسك بدفوع تتعلق بالورقة أو الوفاء أو التوقيع أو صفة الدائن.

وتوضح المادة 26 من قانون التنفيذ أن المدين إذا لم يعترض خلال المدة المقررة تستمر مديرية التنفيذ بإجراءات التنفيذ الجبري أما إذا أنكر الدين كله أو جزءا منه فيفهم الدائن بمراجعة المحكمة المختصة لإثبات المقدار الذي أنكره المدين.

هنا يظهر دور محكمة البداءة لأنها المحكمة التي تنظر في دعوى المطالبة المدنية أو التجارية بقيمة الكمبيالة عندما يصبح الحق بحاجة إلى حكم قضائي بسبب الإنكار أو النقص أو المنازعة أو عدم قبول التنفيذ من البداية.

محكمة البداءة تكون الطريق الأنسب عندما تكون الكمبيالة ناقصة البيانات أو عندما يدعي المدين الوفاء أو عندما ينكر التوقيع أو عندما تكون المطالبة موجهة ضد شخص لا يصح التنفيذ عليه مباشرة أو عندما يحتاج الدائن إلى إثبات العلاقة التجارية التي صدرت بسببها الكمبيالة.

وفي الواقع العملي داخل بغداد قد يراجع الدائن دائرة التنفيذ في معاملات واضحة ومكتملة ثم ينتقل إلى محكمة البداءة إذا حصل اعتراض مؤثر أو إنكار جدي ولهذا يجب عدم النظر إلى التنفيذ والمحكمة كطريقين منفصلين تماما بل كمرحلتين قد تتداخلان بحسب موقف المدين وشكل الورقة.

أما في المنازعات التجارية بين شركات أو تجار في مناطق مثل الكرادة والمنصور والحارثية والقادسية والجادرية وحي الجامعة فإن فحص الكمبيالة قبل الإجراء يكون ضروريا لأن هذه المناطق تشهد حركة مصرفية وتجارية وعقود تجهيز ومقاولات ومطالبات مالية قد تتداخل فيها الأوراق التجارية مع أصل الدين والعقد والفواتير والتحويلات.

ولا يكفي أن يحمل الدائن كمبيالة بيده حتى يختار التنفيذ مباشرة لأن السؤال الأدق هو هل هذه الكمبيالة ورقة تجارية قابلة للتداول والتنفيذ وفق المادة 14 من قانون التنفيذ وهل المدين المطلوب التنفيذ عليه ليس مظهرا وهل الدين ثابت ومستحق ومعلوم وغير معلق على شرط؟؟

إذا كانت الإجابة نعم وكان أصل الورقة سليما فمراجعة دائرة التنفيذ قد تكون الطريق الأسرع لتحصيل قيمة الكمبيالة أما إذا كانت الإجابة لا أو كانت الورقة محل نزاع أو إنكار أو نقص فمحكمة البداءة تكون الطريق القانوني الأكثر أمانا للحصول على حكم قابل للتنفيذ.

ومن الأخطاء الشائعة أن يبدأ الدائن بدعوى طويلة أمام محكمة البداءة رغم أن ورقته قد تكون قابلة للتنفيذ مباشرة ومن الأخطاء المقابلة أن يصر على التنفيذ في ورقة ناقصة أو في مطالبة تحتاج إلى إثبات ثم يخسر وقتا بسبب الاعتراض أو رفض التنفيذ أو إحالة النزاع إلى المحكمة.

ولهذا فإن اختيار الطريق لا يكون بالعاطفة ولا بالرغبة في السرعة فقط بل يكون بفحص قانوني للكمبيالة من حيث البيانات والاستحقاق والصفة والتوقيع وطبيعة المدين ووجود التظهير أو الضمان أو الاعتراض المحتمل.

الخلاصة العملية أن دائرة التنفيذ تصلح عندما تكون الكمبيالة صحيحة ومكتملة وقابلة للتداول والتنفيذ وموجهة ضد المدين الذي يسمح القانون بالتنفيذ عليه مباشرة أما محكمة البداءة فتكون مطلوبة عندما تحتاج الكمبيالة إلى إثبات أو عندما توجد منازعة أو نقص أو إنكار أو رجوع على مظهر أو مطالبة لا تكفي فيها الورقة وحدها.

وقبل اتخاذ أي إجراء قانوني في دعوى كمبيالة أو مطالبة تجارية أو نزاع مالي في العراق يحتاج الدائن إلى مراجعة محامي مختص لفحص الورقة وتحديد هل يبدأ من دائرة التنفيذ أم من محكمة البداءة لأن اختيار الطريق الصحيح من البداية قد يختصر الوقت ويحمي الحق من التعطيل.

أسئلة شائعة :

هل يمكن تنفيذ الكمبيالة مباشرة في دائرة التنفيذ؟

نعم يمكن ذلك إذا كانت الكمبيالة ورقة تجارية قابلة للتداول ومستوفية شروط التنفيذ وكان الدين معلوما ومستحقا وغير معلق على شرط وكان المطلوب التنفيذ عليه ممن يجوز التنفيذ عليه وفق قانون التنفيذ.

هل كل كمبيالة تحتاج إلى دعوى في محكمة البداءة؟

لا ليست كل كمبيالة تحتاج إلى دعوى لأن بعض الكمبيالات الصحيحة يمكن تقديمها مباشرة إلى دائرة التنفيذ لكن الدعوى تصبح ضرورية عند الإنكار أو النقص أو المنازعة أو عدم صلاحية الورقة للتنفيذ المباشر.

متى تكون محكمة البداءة هي الطريق الأفضل؟

تكون محكمة البداءة هي الطريق الأفضل عندما ينكر المدين الدين أو التوقيع أو يدعي الوفاء أو تكون الكمبيالة ناقصة أو تكون المطالبة موجهة ضد مظهر أو تحتاج العلاقة التجارية إلى إثبات.

ماذا يحدث إذا اعترض المدين أمام دائرة التنفيذ؟

إذا اعترض المدين وأنكر الدين كله أو جزءا منه فقد يحتاج الدائن إلى مراجعة المحكمة المختصة لإثبات المقدار المنكر وفق ما تقرره إجراءات قانون التنفيذ.

هل الأفضل مراجعة التنفيذ أولا أم رفع دعوى مباشرة؟

الأفضل يتحدد بعد فحص الكمبيالة فإذا كانت مكتملة وقابلة للتنفيذ فالتنفيذ أسرع أما إذا كانت محل نزاع أو نقص فالدعوى أمام محكمة البداءة تكون أكثر سلامة من الناحية العملية.

عن الكاتب
المحامي ايوب حميد محامي عراقي في بغداد يعمل في القضايا التجارية والعقارية والمدنية وقضايا الشركات والضرائب والضمان الاجتماعي ومحاكم البداءة، ويقدم محتوى قانونيا مبسطا للجمهور العراقي من خلال مقالات قانونية وبودكاست جلسة علنية.