علامتك التجارية قد تُرفض قبل أن تولد… القانون العراقي يرسم الخط الأحمر الذي لا ينتبه له كثيرون
المحامية نور جواد الدليمي
في عالم الأعمال الحديث، لم تعد العلامة التجارية مجرد اسم أو شعار يُوضع على منتج أو خدمة، بل أصبحت هوية قانونية واقتصادية متكاملة، تمثل السمعة، الثقة، والقيمة السوقية. ولهذا السبب، فإن تسجيل العلامة التجارية وفق القانون العراقي لم يعد إجراءً شكلياً، بل خطوة استراتيجية قد تحمي المشروع أو تُعرّضه لخسائر جسيمة إن أُهملت تفاصيلها.
قانون العلامات والبيانات التجارية رقم (21) لسنة 1957، وتحديداً المادة (5) منه، وضع إطاراً صارماً لما لا يجوز تسجيله كعلامة تجارية، وهو نص بالغ الأهمية لكل تاجر، صاحب شركة، مستثمر، أو رائد أعمال يفكر في دخول السوق العراقي أو توسيع نشاطه داخله. فهذه المادة لا تمنع التسجيل عبثاً، بل تهدف إلى حماية السوق، المستهلك، والحقوق المكتسبة للغير، ومنع التضليل والارتباك التجاري.
غياب الصفة المميزة: حين لا يكون الاسم كافياً ليصبح علامة
أول موانع التسجيل التي نصت عليها المادة (5) تتعلق بالعلامات الخالية من الصفة المميزة، أي تلك التي تُستعمل في التجارة لبيان نوع البضاعة أو ماهيتها أو كميتها أو محل إنتاجها، أو التي تُستخدم في اللغة العراقية الدارجة للدلالة على ذلك. فالأسماء العامة أو الوصفية، مهما بدت جذابة تسويقياً، لا تُعد في الأصل علامات قابلة للتسجيل ما لم تكتسب صفة مميزة من خلال الاستعمال الطويل والمكثف.
وهنا يقع كثير من أصحاب المشاريع في خطأ شائع، حين يعتقدون أن شيوع الاسم وقربه من ذهن المستهلك يجعله أقوى قانونياً، بينما العكس هو الصحيح. فالعلامة لا تُحمى لأنها مألوفة، بل لأنها تميّز، والتمييز هو جوهر الحماية القانونية.
النظام العام والآداب: حدود لا يمكن تجاوزها مهما كانت الفكرة مبتكرة
القانون يقف بحزم أمام أي علامة أو تعبير أو رسم يخالف النظام العام أو الآداب. وهذا المنع لا يتعلق فقط بالمفاهيم الأخلاقية الضيقة، بل يمتد إلى كل ما قد يثير حساسية اجتماعية، دينية، ثقافية، أو سياسية. فالسوق ليس فضاءً حرًا بلا ضوابط، والعلامة التجارية ليست أداة صدمة أو استفزاز، بل وسيلة تعريف مسؤولة.
الرموز السيادية والدولية: حماية تتجاوز الحدود الوطنية
تحظر المادة (5) تسجيل العلامات المطابقة أو المشابهة للأعلام، النياشين، الشعارات العامة للعراق أو الدول الأخرى الأعضاء في اتحاد باريس أو المنظمات الدولية الحكومية، وكذلك الدمغات الرسمية التي تشير إلى رقابة أو كفاية معتمدة. هذا المنع يعكس التزام العراق بالاتفاقيات الدولية، ويهدف إلى منع الإيحاء الزائف بوجود صفة رسمية أو اعتماد حكومي أو دولي غير حقيقي.
كما يمتد الحظر إلى أي تقليد لشعار عائلي، لما في ذلك من مساس بالهوية والحقوق الشخصية.
الصليب الأحمر والهلال الأحمر: رموز محمية بلا استثناء
العلامات المطابقة أو المشابهة لرمز الصليب الأحمر أو الهلال الأحمر أو صليب جنيف محظورة بشكل مطلق. هذه الرموز محمية دولياً، واستخدامها التجاري يُعد مخالفة جسيمة، بغض النظر عن حسن النية أو طبيعة النشاط.
الأسماء الشخصية والألقاب والصور: الخصوصية قبل التجارة
لا يجوز تسجيل اسم شخص أو لقبه أو صورته أو شعاره إلا بموافقته الخطية. وهذا النص يحمي الأفراد من الاستغلال التجاري غير المشروع، ويمنع تحويل السمعة الشخصية إلى أداة ربح دون إذن صريح. وهو أمر بالغ الأهمية في عصر العلامات المبنية على الأشخاص والمؤثرين.
ألقاب الشرف: حين يطلب القانون الدليل لا الادعاء
يحظر القانون تسجيل ألقاب درجات الشرف إذا عجز طالب التسجيل عن إثبات صحتها. فالألقاب الأكاديمية أو المهنية أو الفخرية ليست عناصر تسويقية حرة، بل وقائع يجب إثباتها، حمايةً للمستهلك من التضليل.
تضليل الجمهور: الخطر الأكبر على السوق
من أخطر موانع التسجيل تلك المتعلقة بالعلامات التي يحتمل أن تخدع الجمهور أو تربكه، أو التي تحتوي أوصافاً غير صحيحة عن منشأ المنتجات أو خصائصها، أو تتضمن اسماً تجارياً وهمياً أو مقلداً أو مزيفاً. فالقانون هنا لا يحمي المنافسين فقط، بل يحمي السوق ككل من الفوضى وفقدان الثقة.
التشابه مع العلامات المشهورة أو المسجلة: حيث تبدأ النزاعات المكلفة
تحظر المادة (5) تسجيل العلامات المطابقة أو المشابهة لعلامة مشهورة، أو لعلامة مسجلة سابقاً، متى كان من شأن ذلك إحداث إرباك لدى جمهور المستهلكين. وهذا النص هو حجر الأساس في معظم نزاعات العلامات التجارية، لأن التشابه لا يُقاس بالتطابق الحرفي فقط، بل بالانطباع العام، وطريقة النطق، والشكل، والدلالة.
كثير من العلامات تُرفض أو تُلغى لاحقاً لأن أصحابها لم يُجروا فحصاً قانونياً دقيقاً قبل التقديم، فكانت النتيجة خسارة الوقت والمال وربما السمعة.
رسالة إلى التجار وأصحاب الشركات: تسجيل العلامة قرار قانوني لا إجراء إداري
تسجيل العلامة التجارية ليس استمارة تُملأ، بل عملية قانونية تتطلب فهم موانع التسجيل، وتحليل السوق، والاطلاع على العلامات السابقة والمشهورة، وتقدير مخاطر التشابه والرفض. وكل إهمال في هذه المرحلة قد يتحول لاحقاً إلى نزاع قضائي أو خسارة حق مكتسب.
خطوتك الأخيرة قبل التسجيل: رأي قانوني مختص يصنع الفارق
في ضوء ما تقدم، فإن مراجعة جهة قانونية تمتلك خبرة فعلية في تسجيل العلامات التجارية، ومعرفة دقيقة بتطبيقات المادة (5) عملياً، ليست خطوة احتياطية بل ضرورة.
ونحن، بوصفنا مكتباً مرخّصاً، ونمتلك وكالة رسمية للتسجيل لدى دائرة مسجل العلامات التجارية، ندعوك لمراجعتنا أو طلب استشارة قانونية قبل الشروع في تسجيل علامتك، لا لنقول إنها ستُقبل أو تُرفض، بل لنضعك أمام الصورة القانونية الكاملة، لتتخذ قرارك بثقة ومعرفة.
فالعلامة القوية لا تبدأ من الشعار…
بل من الفهم الصحيح للقانون.
