قانون إيجار العقار والفلسطينيون في العراق: دراسة قانونية معاصرة
المحامي/محمد علي
يعود تاريخ التواجد الفلسطيني الجماعي بالعراق للعام ١٩٤٨ حيث استقبلت البلاد ثلاث موجات نزوح أولها كان في ذلك العام إثر النكبة حيث عادت القوات العراقية حاملة معها بآلياتها العسكرية ٨٦٠ عائلة فلسطينية مهجرة قدر عدد أفرادها ب٤٠٠٠ شخص (من حيفا وماجاورها) وتم إسكانهم بمعسكرات الجيش في منطقة الشعيبة بمحافظة البصرة قبل أن يصدر قرار مجلس الوزراء عام ١٩٥٠ والذي قرر نقلهم للعاصمة بغداد وتحويل إدارة ملفهم من وزارة الدفاع إلى وزارة العمل.
أما الموجة الثانية فكانت بعد نكسة حزيران عام ١٩٦٧ وإحتلال الدولة العبرية للضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية اما الثالثة جاءت عام ١٩٩١ عند الغزو العراقي للكويت حيث إضطر المئات من الفلسطينيين المقيمين هناك للرحيل إلى العراق بعدما اغلقت أبواب الإمارة الخليجية بوجوههم إثر موقف الرئيس الراحل ياسر عرفات الداعم لبغداد آنذاك.
قانونيا لم يدرج اللاجئون الفلسطينيون بالعراق ضمن سجلات وكالة غوث وتشغيل اللاجئين (أونروا) التي أسست عام ١٩٤٩ حيث رفضت الحكومة العراقية ان يكون العراق ضمن مناطق عملياتها ودفع مبالغ مالية للوكالة الدولية مقابل تعهدها بالإشراف الكامل على شؤون الفلسطينيين وتقديم كافة المساعدات لهم (وهو خطأ فادح ترتب عليه إضاعة العديد من حقوقهم وتسبب بمرورهم بأزمات وتقلبات وإضطرابات بعدة نواحي أبرزها الوضع القانوني) والذي تدرج العراق فيه على مراحل
إبتداءا بشمولهم بنهاية الخمسينات بمجانية التعليم ثم منحهم وثائق السفر بموجب القانون رقم ٢٦ لسنة ١٩٦١ قبل أن يصدر قانون آخر عام ١٩٦٤ بمعاملتهم معاملة العراقي بإستثناء الجنسية وحق التملك تلاه في العام اللاحق ١٩٦٥ قانون رقم (٦) بإلغاء وصف اللاجئين عليهم بناءا على توصية مجلس الجامعة العربية وعليه تم إستثنائهم من تطبيق أحكام قانون رقم (٥١) لسنة ١٩٧١ والمتعلق باللاجئين السياسيين ثم منحهم حق العمل والتوظيف ماعدا بوزارتي الدفاع والداخلية.
وأخيرا تم تناول حق السكن وصدر قرار مجلس قيادة الثورة المنحل رقم ٣٦٦ لسنة ١٩٦٩ حيث انشى مجمع سكني خاص بهم سمي بالبلديات.
لتكون الخطوة التالية هو شمول العقارات المستأجرة من قبلهم بأحكام قانون إيجار العقار رقم (٨٧) لسنة ١٩٧٩ بشرط الإقامة بالعراق منذ العام ١٩٤٨ وعليه فلا تطبيق لأحكام هذا القانون على من جاء للعراق عامي ١٩٦٧ و١٩٩١ ويأتي شمول هذه الشريحة من الفلسطينيين بأحكام قانون إيجار العقار مراعاة من المشرع للظروف التي تعرضوا لها بعد حرب ١٩٤٨ وتهجيرهم من ديارهم وهي حماية قانونية مضافة لهم تتلائم مع الأسباب الموجبة لتشريع هذا القانون والمتمثلة بتحديد حقوق طرفي عقد الإيجار والموازنة بين مصالحهما لذا جاء بمبدأ الإمتداد القانوني للعقد بشرطي إستمرار مشغولية المستأجر للمأجور ودفع بدل أجرته بالإضافة لتحديد حد أقصى لبدلات الإيجار مراعاة للوضع الإقتصادي والاجتماعي للبلد في ثمانينات القرن الماضي وماتلاها غير إن صدور قرار مجلس قيادة الثورة المنحل رقم (٢٠٢) لعام ٢٠٠١ مثل قفزة نوعية انهت عقودا من حالة عدم الاستقرار القانوني لفلسطينيي العراق رغم كل ما سبق ذكره عندما نص بنص صريح وبشكل مباشر لا يحتمل التأويل على حقوق لهم وواجبات عليهم مشابهة بالمواطن العراقي بالهوية ووثائق السفر والعلاج والتعليم والمساعدات المالية وحق السكن ماعدا وكالعادة حق التجنس. وهو ما يعني وبالدلالة انطباق أحكام المادة (١/أ) من قانون إيجار العقار على العقارات المستأجرة من قبلهم متى ما استوفى شرط الإقامة الدائمة بالبلاد لا من جاء عام ١٩٤٨ فحسب كما نص قانون إيجار العقار بمادته الأولى غير إن تطبيق هذا القرار خضع لسلطة تقديرية لا إلزامية عقب الغزو الأميركي عام ٢٠٠٣ ليدخل من تبقى منهم في العراق بدوامة قانونية (إن جاز التعبير) وسط حالة من الاجتهاد القضائي التي تمعن بكل دعوى بحسب حيثياتها و ظروفها قبل أن يصدر قانون إقامة الأجانب رقم (٧٦) لسنة ٢٠١٧ والذي نص صراحة في مادته المرقمة (٥٢/ثانياً) على إنهاء العمل بالقرار رقم ٢٠٢ وتم إعتبارهم (أجانب مقيمين) وشمولهم بأحكام قانون اللجوء رقم (٥١) لسنة ١٩٧١ سالف الذكر حيث يتمتع اللاجئ بحقوق المواطن العراقي بحالات محددة نصت عليها المادة (١١) وهي الخدمات الصحية والثقافية وممارسة المهن والأعمال وتزويده بأرض زراعية وفق أحكام قانون الإصلاح الزراعي على أن لا تسجل بأسمه إلا إذا تجنس عراقيا (وهو المستحيل في الحالة الفلسطينية) بالإضافة للسماح له بإستقدام أفراد عائلته وتوظيفه أو استخدامه بموافقة الوزير وما دون ذلك من حقوق مشروطة بإقتراح الوزير المختص وموافقة رئيس الجمهورية.
ويترتب على ذلك ان نص المادة الأولى الفقرة (أ) من قانون إيجار العقار أصبحت مجرد حبر على ورق ثم سرعان ما قدمت تعديلات على قانون إقامة الأجانب في العام ٢٠٢١ يتضمن معاملة الفلسطيني المقيم في العراق لمدة لا تقل عن ١٠ سنوات معاملة العراقي في الحقوق والواجبات دون أن تمرر في البرلمان لكن جاءت أحداث السابع من أكتوبر لتعيد الزخم لإتجاه داعي لإعادة الامتيازات الممنوحة لهم سابقاً ليصدر على اثرها قرار مجلس الوزراء في العام ٢٠٢٤ والذي تضمن النص صراحة على معاملة الفلسطيني المقيم في العراق معاملة المواطن العراقي غير إن نص هذا القرار لا يصمد قضائيا أمام نص المادة (٥٢/ثانياً ) من قانون إقامة الأجانب فيما يخضع هذا النص الأخير للسلطة التقديرية للمحكمة عند الترجيح بينه وبين نص المادة (١/أ) من قانون إيجار العقار رقم (٨٧) لسنة ١٩٧٩.
إن النوايا الحسنة غير كافية لتحسين المركز القانوني للأفراد حيث لا يمكن عدها دفوع منتجة قضائيا وبالرغم من اعداد الفلسطينيين بالعراق هي في تناقص مستمر وان دعاواهم القضائية ضئيلة العدد لكن حسم هذا التخبط القانوني تجاههم بات مطلوبا خاصة مع تأخر الوقت لاحالة ملفهم القانوني لوكالة الأونروا والتي تواجه بدورها مستقبلاً مجهولاً نتيجة نقص التمويل والتضييق الإسرائيلي المتواصل عليها.