محامي متخصص بالشركات

الشخصية المعنوية للشركة بين الوجود القانوني والخصومة القضائية: المشروع الفردي أنموذجاً مشوقاً يغيّر فهمنا للقانون التجاري

المحامية: نور جواد الدليمي

ليست كل الخصومات أمام المحاكم واحدة، ولا كل الشركات متشابهة في وجودها القانوني. فبينما يفترض الكثيرون أن الشركة لا تُخاصم إلا بصفتها المعنوية، تتدخل النصوص القانونية الحديثة والقرارات التمييزية لتكشف وجهاً آخر للقانون، وجهاً أدقّ وأعمق، لا يعرفه إلا من تعمّق في فلسفة الشخصية المعنوية وطبيعة الخصومة القضائية.
والسؤال الذي ظل يتكرر داخل قاعات المحاكم وفي نقاشات رجال القانون هو: هل يمكن لمؤسس المشروع الفردي أن يخاصم بشخصه الطبيعي؟ أم أن الشخصية المعنوية للشركة تحجب هذه الصفة؟

هذا السؤال ليس نظرياً ولا أكاديمياً، بل مسّه التطبيق القضائي في واحدة من أهم الدعاوى التجارية التي عُرضت أمام محكمة التمييز الاتحادية، والتي انشغل بها الفقهاء والمحامون نظراً لما تنطوي عليه من حساسية خاصة تتعلق بوجود الشركة نفسه، وبحدود ما يُعرف في القانون بـ الخصومة وأطرافها.

قد يهمك ايضاً: العلامات التجارية في العراق لماذا تتعثر العلامات قبل ان تبدا قراءة قانونية في اخطاء التسجيل واجراءات الحماية

الشركة والشخصية المعنوية: من يملك الحق في الوجود أمام القضاء؟

تنص المادة (5) من قانون الشركات رقم (21) لسنة 1997 بوضوح لا يحتمل التأويل: «تكتسب الشركة الشخصية المعنوية وفق أحكام هذا القانون».

هذه الجملة القصيرة تحمل ثقلاً قانونياً هائلاً؛ فهي التي تجعل الشركة كياناً مستقلاً عن أصحابها، لها ذمتها المالية الخاصة ولها حق التقاضي والالتزام والمسؤولية.
لكن… ماذا عن المشروع الفردي؟
هل هي شركة كباقي الشركات؟ أم هي مجرد امتداد لشخص مؤسسها؟

في نص اخر وهو المادة (6) من قانون الشركات نجد جواب في الفقرة رابعاً والمتعلقة بالمشروع الفردي:

وهو شركة تتألف من شخص طبيعي واحد يكون مالكاً للحصة الواحدة فيها ومسؤولاً مسؤولية شخصية وغير محدودة عن جميع التزامات الشركة .هذه العبارة تعني شيئاً بالغ الأهمية:
الشخص الطبيعي والمؤسسة ليسا شخصين منفصلين تماماً كما هو الحال في شركات المسؤولية المحدودة المتعددة الشركاء، بل هما وجهان لذمة مالية واحدة تنبثق عن المؤسس ذاته.

الخصومة القضائية: من هو الخصم الحقيقي في نظر القانون؟

هنا تتدخل المادة (4) من قانون المرافعات المدنية رقم (83) لسنة 1969، التي وضعت معيار الخصومة القضائية:
«يشترط أن يكون المدعى عليه خصماً يترتب على إقراره حكم… وأن يكون محكوماً أو ملزماً بشيء على تقدير ثبوت الدعوى».

هذا النص لا يجيب مباشرة عن سؤالنا، ولكنه يرسم الحدود:
الخصم هو من يمكن إلزامه وربط الحكم به، لا من يُذكر اسمه مجرّد ذكر.

وعندما نتعامل مع مشروع فردي، فإن السؤال يصبح:
هل الخصم هو الشركة؟ أم الشخص الطبيعي المؤسس لها؟ أم كلاهما في الوقت ذاته؟

القرار التمييزي الذي حسم الإشكال: المشروع الفردي ليس حاجزاً بين المؤسس وحقه في التقاضي

قرار محكمة التمييز الاتحادية الصادر في 6/6/2023 جاء بمثابة إعلان قضائي مهم أعاد ترتيب الفهم القانوني لهذا الموضوع.

القضية بدأت حين ادعى المدعي—وهو مؤسس ومدير مفوض لمشروع فردي للتوسط في بيع وشراء العملات الأجنبية—أنه فتح حساباً مصرفياً أودع فيه مبلغاً كبيراً بلغ مليوناً ومائتي ألف دولار. وبعد مراجعة المصرف، اكتشف أن الأموال قد صُرفت بصكوك مزورة لم يوقّعها، وأنه لم يدخل العراق خلال تواريخ صرف تلك الصكوك.
ورغم أن المدعى عليه أقر بتسليم المبلغ لشخص آخر اعتبره نائباً للمدير المفوض دون تخويل قانوني، فقد قضت محكمة البداءة برد الدعوى لعدم صحة الخصومة.

لكن محكمة التمييز الاتحادية لم توافق، ووصفت اتجاه المحكمة بأنه غير صحيح ومخالف لأحكام القانون، لأن المشروع الفردي في القانون العراقي:

  • لا يفصل المؤسس عن شركته
  • والشركة تكتسب الشخصية المعنوية ولكن مسؤولياتها تظل مرتبطة بشخص المؤسس
  • ومؤسس المشروع الفردي هو المالك الوحيد والمدير المفوض والمسؤول غير المحدود عن التزامات الشركة

وبناءً على ذلك، قالت المحكمة:
«إن خصومة المدعي متحققة عند إقامته الدعوى بصفته الشخصية».

هذا الاستنتاج غيّر مجرى الدعوى وأعادها للسير في الموضوع وحسمها وفق الأدلة.

لماذا يُعدّ هذا القرار مفصلياً في فهم الشخصية المعنوية؟

لأن القرار وضع النقاط على الحروف في مسائل تلتبس حتى على الممارسين للقانون:

  • المشروع الفردي شركة لها شخصية معنوية
  • لكن شخصيتها لا تنفصل عن شخص مؤسسها
  • ومسؤولية المؤسس غير محدودة
  • ومن حقه إقامة الدعوى بصفته الشخصية دون عائق
  • ومن حق الغير أيضاً مخاصمته هو ذاته وليس الشركة فقط

بمعنى آخر:
الشخصية المعنوية للمشروع الفردي ليست درعاً للفصل بين الشركة وصاحبها كما في الشركات الأخرى، بل هي وعاء قانوني ينظّم نشاطه التجاري ولكن لا يعزله عن ذمته الخاصة.

المحاكم العراقية واتساع نطاق الخصومة في المشروع الفردي

إن المحاكم العراقية أصبحت اليوم أكثر وضوحاً في التعامل مع هذه الفئة من الشركات، فهي تعتبر:

  • مؤسس المشروع الفردي خصماً صحيحاً
  • وهو المدعى والمدعى عليه الطبيعي
  • والشركة مجرد تكييف قانوني لعمله التجاري
  • وليست شخصية مستقلة مالياً كما في الشركات ذات الشركاء المتعددين.

وبذلك اتجه القضاء إلى توسيع نطاق الخصومة في المشاريع الفردية بما يحقق العدالة ويوفر حماية قانونية أوسع للمتقاضين.

الخاتمة – دعوة للتواصل

إذا كنت تعمل في مجال التجارة أو الشركات أو تخطط لتأسيس مشروع فردي أو شركة محدودة المسؤولية أو تمتلك نشاطاً تجارياً وترغب بفهمٍ واضح لحدود عملك واشكالاته، فإن فريقنا القانوني يرحّب بك للإجابة عن أي استفسار.
نقدّم خدمات متخصصة في القانون التجاري، تأسيس الشركات، المنازعات المصرفية، الدعاوى التجارية والإدارية، العقود، المناقصات، الطعون بأنواعها، وتمثيل الشركات أمام المحاكم المختصة.
إننا نعمل لنوفر لك رؤية قانونية دقيقة وحلولاً عملية تساعدك على اتخاذ قرارات سليمة، وتضمن حماية أعمالك واستقرارك في السوق العراقي.

نحن دائماً في خدمتكم، ويسرّنا استقبال أي استشارة أو طلب مساعدة قانونية في هذا المجال.

افضل محامي شركات في العراق